فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره ، لأجل قرابة بينهما ، أو ولاه عتاقة أو صداقة أو موافقة في مذهب أو بلد أو طريقة أو جنس ، كالعربيّة والفارسية والتركية والرومية ، أو لرشوة يأخذها منه من ماله أو من منفعة ، أو غير ذلك من الأسباب ، أو لضغن في قلبه على الأحق ، أو عداوة بينهما - فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللّهَ وَالرّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلمونَ} [الأنفال: 27] .
ثم قال الله تعالى: {وَاعْلموا أَنّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنّ اللّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 28] ، فإن الرجل لحبه لولده أو عتيقه قد يؤثره في بعض الولايات أو يعطيه ما لا يستحقه فيكون قد خان أمانته ، وكذلك قد يؤثر زيادة حفظه أو ماله يأخذ ما لا يستحقه أو محاباة مَنْ يُدَاهنه في بعض الولايات فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته ، ثم إن المؤدي الأمانة ، مع مخالفة هواه ، يثيبه الله فيحفظه في أهله وماله بعده ، والمطيع لهواه يعاقبه بنقيض قصده ، فيذل أهله ويذهب ماله ، وفي ذلك الحكاية المشهورة: إن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدّث بما أدرك ، فقال: أدركت عُمَر بن عبد العزيز ، فقيل له: يا أمير المؤمنين ! أفقرت أفواه بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء لا شيء لهم ، وكان في مرض موته ، فقال: أدخلوهم عليّ ، فأدخلوهم وهم بضعة عشر ذكراً ، ليس فيهم بالغ ، فلما رآهم ذرفت عيناه ثم قال: والله ! يا بني ! ما منعتكم حقاً هو لكم ، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فادفعها إليهم ، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين ، وإما غير صالح فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله ، قوموا عني .
قال: ولقد رأيت بعض ولده حمل على مائة في سبيل الله ، يعني أعطاها لمن يغزو عليها .