وشرب الخمر من الكبائر، فإن استكثر من الشرب حتى سكر أو جاءهم به فذلك من الفواحش، فإن مزج خمراً مثلها من الماء فذهبت شدتها وشربها فذلك من الصغائر.
وترك الصلاة من الكبائر، فإن صار عادة فهو من الفواحش، فإن أقامها ولو يوفها حقها من الخشوع، لكنه التفت فيها أو فرقع أصابعه أو استمع إلى حديث الناس أو سرى الحصى، أو أكثر من مس لحيته فذاك من الصغائر، وإن ترك إيتاء الجمعة من غير عذر فذاك من الكبائر، فإن اتخذ عادة فهو من الفواحش، وإن ترك إيتاء الجمعة لغيرها فذاك من الصغائر، وإن اتخذ ذلك عادة قصد به مباينة الجماعة والانفراد عنهم فذاك كبيرة، وإن اتفق على ذلك أهل بلده فهو من الفواحش.
ومنع الزكاة كبيرة ورد السائل صغيرة، فإن اجتمع على منعه أو كان المنع من واحد إلا أنه زاد على المنع الإشهار والاغلاط فذاك كبيرة.
وكذلك إن أتى محتاج موسعاً على طعام فتاقت إليه نفسه، فإن تعاطيه كبيرة وتعاطيه على وجهه يجمع وجهين أو وجهاً من التحريم كان فاحشة، وتعاطيه على وجه يقصر به عن رتبة المنصوص أو تعاطي ما دون المنصوص الذي لا يستوفي معنى المنصوص الذي نهى عنه، لئلا يكون ذريعة له إلى غيره، فهذا كله من الصغائر، وتعاطي الصغيرة على وجهين أو وجهاً من التحريم كبيرة.
مثال ذلك إن قتل النفس بغير حق محرم بعينه منهي عنه لمعنى في نفسه، فهو انتهاك حرمة الله - عز وجل - بانتقاص مخاطب مكلف من الجملة، فذلك إن كان عمداً كبيرة، لأن العامل متسع لاستيفاء من يريد قتله وانتقاصه.
فإن احتقار الانتقاص وقتل فقد أراد الخيانة وآثرها فكانت منه كبيرة.
وإن وقع ذلك خطأ لم تكن كبيرة، ولأن زوال العمل يقصر بقتله عن رتبة المنصوص فإنه لا يكون عند ذلك مؤثراً لانتقاص عدد المخاطبين المكلفين من بين الجملة.
فإن كان المقتول أباً أو ذا رحم، أو كان القتل في البلد الحرام أو قطع طريق كانت فاحشة لما في ذلك من انتهاك حرمات كثيرة مضمونة إلى حرمة المقتول، وإن ترك القتل إلى شيء دونه من إيلام بضرب غير منهك أو جرح لا ينقص به المجروح عضواً ولا يتعطل به عليه من منافع بدنه منفعة لم يكن ذلك كبيرة.
لأن هذه الجناية لا تستوفي معنى القتل المنصوص وإن وجد فيه بعض معناه.
لأن معنى الإيلام أو إنهار الدم وإن وجد، فإن أماته الحي لا يوجد فيه، فيفارق بذلك القتل وقطع الطريق ولا يكون كبيرة.