العملِ بخبر الواحد قبل بَعْثِه الرسلَ على قولكم.
قيل: لو كانَ نُقِلَ إليهم نقلًا متواترًا، لكان قد نُقِلَ إلينا، وعرفناه، كما علمنا جميعَ ما حصلَ به نقلُ التواتر.
وأمَّا وجوبُ العمل بخبرِ الواحد، فإنَّهم كانوا علموه بما شاعَ من بعثهِ الرُّسلَ إلى كلِّ جهةٍ.
فإن قيل: فقد كانَ يبعثُ بآحادِ الرسلِ يدعو إلى الإيمانِ، وإن لم يكن ذلك معلومًا من جهةِ الرُسلِ، فكذلكَ بعثَ برسلِه بالأحكامِ، وإن لم يكن ذلك معلومًا من جهةِ الرُّسلِ.
قيل: الإيمانُ معلومٌ عقلًا، ولكن وجوبُه الذي بَعَثَ به رسلَه لأجلِه، لم يُعلَمْ إلا من جهةِ رسلِه، وعند المخالفِ يُعلَمُ ذلكَ بالعقلِ، ولكن بَعَثَ من يُنبِّهُهُم على إعمالِ الفكرِ والنظرِ في الدليل.
ومنها: إجماعُ الصحابةِ رضي الله عنهم على عملِهم بخبرِ الواحد، ومن ذلك: عملُ أبي بكر الصديق بخبر المغيرةِ ومحمد بن مَسْلَمةَ في ميراثِ الجدة، وأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أطعمها السدسَ، فجعلَ لها السدس [1] .
(1) ورد ذلك من حديث قَبِيصةَ بن ذُؤَيبٍ، قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر رضي الله عنه تسأله ميراثها، قال: فقال: ما لَكِ في كتابِ الله شي، ءٌ وما لَكِ في سَنَة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيءٌ بلا، فارجعي حتى أسال الناس. فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاها السدسَ. فقال أبو بكر رضي الله عنه: هل معك غيرك؛ فقام محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فانفذه لها أبو بكر.
أخرجه مالك في"الموطأ"2/ 513، وأبو داود (2894) ، والترمذي (2101) ، وابن ماجه (2724) ، وابن حبان (1224) ، وصححه، والحاكم =