يتفاضلُ في نفسهِ، لم يبقَ إلا أنَّهُ أرادَ بالخيرِ: الأخفَّ والأسهلَ.
وقوله في المصابرةِ بعدَ إيجابِها على الواحدِ بعشرةٍ: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال: 66] ، وهذا تصريخ بالنسخِ للأَصعب بالأَخف الأَسْهلِ.
فصلٌ
في جمعِ الأجوبةِ عن هذهِ الآيات الكريمة [1]
أمَّا قولُه: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28] ، فهوَ خبرٌ من اللهِ سبحانَه لا نُحيلُ [2] فيه تَثقِيلَه بابتدائِه بالتكليفِ الشاقُّ، فلا يؤثرُ فيه نسخُه الأسهلَ بالشَّاقِّ الأثقلِ، ولا يعطي أيضًا إخبارُه بإرادتهِ التخفيفَ عنا الفورَ، بل يجوزُ أن يكونَ المرادُ به تخفيفًا عنا أثقالَ الآخرةِ؛ بثوابِ أعمالِنا الثقيلةِ على طباعِنا في الدُّنيا، أو تخفيفًا بالإضافةِ إلى المشاق التي كلَّفها مَن قَبلَنا، وما قبلَ هذا من الآيةِ يشهدُ لما ذكرنا؛ من قوله سبحانه: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27] ، والميلُ العظيمُ إلى مخالفة الشرعِ تخفيف في الحالِ لأثقالِ التكليفِ، لكنَّه لما آلَ إلى العذابِ الدائم، وفوات [3] النَّعيم، قابله بقولِه: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28] ، باثقالِ التكليفِ المفضيةِ بكم إلى المنافعِ الدائمةِ، والعَربُ تُسمَّي الشيءَ بعاقبتِهِ، قال الله تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175] ، {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8] ، مع إخبارِهِ عنهم، بقولِه [4] : {لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا} [القصص: 9] ، وتقول:
(1) انظر هذه الأجوبة في"الإحكام"للآمدي 3/ 139. وما بعدها.
(2) في الأصل:"يحيك".
(3) في الأصل:"وثواب".
(4) في الأصل:"قوله"