ومما استدلوا به: أن الأمرَ لو كانَ هو الإرادةَ، أو كانَ لا يصدرُ إلا عن إرادةٍ، لما عَلِمَ الَآمر آمرًا، إلا مَن عَلِمه مُريدًا، فلما رأينا العربَ تُسمي المُستدعي الفعلَ مِن العبدِ، آمرًا، وإن لم تعلمْه مُريدًا، عُلِمَ أنَهُ لا يقتضي الإِرادةَ، ولا هو أرادةٌ.
واستدل بعضُهم لهذا المذهبِ أيضًا، بأن جميعَ ما يصدُرُ من الحيِّ مِن الأفعالِ، من قيامٍ وقعودٍ، وركوعٍ وسجودٍ، وأكلٍ وشربٍ، لا يكونُ فعلًا لإِرادةِ الفاعلِ، والكلامُ عند المعتزلةِ فِعلُ المتكلمِ، فإذا لم يكن القيامُ قيامًا، والمشيُ مشيًا؛ لإِرادةِ القائم والماشي، كذلك يجبُ أنْ يكونَ الكلامُ. فإنْ مانعُوا هذا أحدثوا لغةً لا تعرفُها العربُ ولا أهلُ العُرفِ على اختلافِ لغاتِهم.
فصل
في جمعِ الأسئلةِ على هذهِ الأدلةِ التي وجدتُها في الكتب، وسمعتُها في النَّظرِ: قالوا: إن جوابَ:"أريدُ مِنكَ"جوابُ: افعلْ، فأمَّا إذا لم يَقُلْ: مِنكَ، لكنه قالَ: أريدُ، ولم يقلْ: مِنكَ، فهو إخبارٌ عن إرادةٍ لا معنى.
فوِزَانُه أن يقولَ: يقومُ لي، أو يدخلُ لأجلي قائمٌ أو داخلٌ، ولا بقولُ: لتقمْ أنتَ، ولا لتدخلْ أنتَ، فإنَّه إذا لم يُسَم القائمَ والداخلَ، ولا عيَّنه، فلا يَحْسُنُ أنْ يقولَ واحدٌ: السَّمْعُ والطاعةُ، أو: العصيانُ والمخالفةُ.
قالُوا: وأمَّا قولُ الماكِر: أمَرْتُ وَلم أرِدْ، فإنَّما معناهُ: ماكَرْتُ ولَمْ