فيقالُ: إنَّ فعلَه لو أرادَ ابتداء، الظاهرُ عندنا جميعًا منه أنَّه تشريعٌ لا يخصّه، بل هو تشريعٌ لنا، وإذا كان كذلك، فالعامُّ يتناولُ الفعلَ بظاهرِه، وهذا فعلُه - صلى الله عليه وسلم - موضوعٌ للتشريعِ إلا ان يخصَّه الدليلُ، ولذلكَ جعلناه كذلكَ حال الابتداءِ من غيرِ تقدُّمِ عمومٍ.
فصل
ويجوزُ التخصيصُ بالإجماع [1] ؛ لأنَّ الإجماعَ حجةٌ مقطوعٌ بها، فإذا جازَ التخصيصُ با لمظنوناتِ من الأدلةِ، كخبرِ الواحدِ والقياسِ، فلأنْ يجوزَ بالدليلِ القطعيِّ أولى.
فإن قيل: قد أجزتم النّسخَ بخبرِ الواحدِ ولم تُجيزوه بالإجماعِ مع الحالِ المذكورةِ من كونه قطعيًا، وخبرِ الواحد ظنيًا.
قيلَ: الإجماعُ والنَّسخُ لا يلتقيانِ؛ لأنَّ النسخَ إنما يكونُ مع حياةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يصحُّ الإجماعُ، ولا يكون حجّةً إلا بعد موتِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وانقطاعِ الوحي، والإجماعُ والعمومُ يجتمعانِ في عصرٍ واحدٍ، وإذا جازَ أن يبيِّنَ القياسُ مرادَ الشارع باللفظِ العام، فاجتماع القائِسين أحرى أن يجوزَ بيانُهم لمرادِه بالعمومِ، وإذا كانَ الإجماعُ مبيِّنًا، فقد بيّن النسخ أيضًا كما يبين التخصيص، فإذا تلونا آيةً، وروينا حديثًا، ورأينا الإجماع منعقدًا على ضدّ حكمه، تَبينّا بذلكَ أنه منسوخ حسبَ ما تبينّا بالإجماع في
(1) هذا رأي جمهور الأصوليين من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، والمخصِّص عند التدقيق والتحقيق إنَّما هو دليل الإجماع، لا أن الإجماع نفسه مخصِّص، لأن الإجماع لا بُدَّ له من دليل يستند إليه.
انظر"العدة"2/ 578،"التمهيد"2/ 117 - 118، و"شرح الكوكب المنير"3/ 369، و"المسودة": 126، و"المستصفى"2/ 102، و"الإحكام"للآمدي 2/ 477 - 478، و"البحر المحيط"للزركشي 3/ 363، و"ميزان الأُصول"للسمرقندي الحنفي 1/ 473، و"العقد المنظوم في الخصوص والعموم"للقرافي: 801 - 802.