مزية الفرضِ وتأكدُه على الواجب.
ومن ذلكَ: أن قالوا: إن اختلافَ طُرقِ العبادةِ لا يُعطي تَميزًا واختلافًا، ألا ترى أنَ النوافلَ التي تفعلُ ابتداءً مع المسنوناتِ الراتبةِ التي وردت في السننِ والمسانيد يجمعهما اسمُ النَفل، ولا يمتاز بعضها [1] على بعضٍ بقوَّةِ الطرق واشتهارها، كذلك الواجباتُ، إذا امتازَ منها شيء بقوّة الطريقِ لا يمتاز بالفوة واسمِ الفرض.
فصل
يجمعُ أسئلتَهم على حججِنا
فمنها: أنَ الدعوى لتساويهما لا تُسَلَّم، فإن الواضعَ للغةِ جعلَ الوجوبَ اسمًا للسقوطِ، والفرضَ اسما للتأثير، ومن ذلكَ سُمَّيت فرضةُ النهر والقوس: فرضةً لمكانِ الأثر، والتأثيرُ آكد من الوجوب، فيجبُ أن يُعطى الاسم حقَه من التأكيد.
ومن ذلك: قولُهم: إنَّ تَساوي الفرضِ والوجوبِ في العقابِ على التركِ لا يمنع تمييز [الطريق التي ثبت بها الفرض عن الطريق التي ثبت بها الواجب، فثبوت الفَرضِ بطريقٍ مقطوعٍ به، والمكذبُ للطريق] [2] القطعيِ يَكفُر، والمكذبُ [للطريق الظني] (2) يفسق. فهذه ميزة حكمية، تشبه الميزةَ التي تعلقتم بها من مضاعفةِ العقوبةِ في الدنيا، والوعيدِ في الأُخرى.
ومن ذلكَ: أن إلزامكم لنا المنهيّات، وأنها ما تأكَّدت بحكمِ تَأكُد طَريقها، لا نُسلِّمه، فإنَّ أحمد قال في المتُعة: لا أقولُ إنها حرام [3] . وقال في الجمعِ بين المملوكتين:
(1) تحرفت في الأصل إلى:"بعض".
(2) هنا طمسٌ في الأصل، وما بين المعقوفتين من اجتهادنا وفهمنا للسياق.
(3) هذه روايةُ أى بكرِ المروذى عن أحمد، لأنَ ابن منصور سالَ أحمدَ عنها فقال: يجتنبها أحب إليَّ. قال- أي أبوبكر المروذي-: فَظاهرُ هذا الكراهةُ، دون التحريم. وهذا فهم له غير صحيح، وغيرُ أبي بكرٍ من الحنابلةِ يمنعُ هذا، ويحكمُ ببطلانِ نكاحِ المتعةِ، وهو القول الصحيح المقرَّرُ عند عامةِ الصحابةِ والفقهاءِ، انظر"المغني"10/ 46.