ولم يقلْ أحد منهم: مطاعُ الِإرادةِ، ولا أرادَ فأطيع، ولا أباحَ فأطيع، فثبتَ بهذه الجملةِ: أنَّ الطاعةَ إِنما كانت طاعةً، لكونها مأمورًا بها، وإذا كان كذلك وجَبَ انقسامُ الأمرِ قسمين: واجبٌ، ونفل.
فالواجبُ بالإِطلاقِ، والندبُ مع انحطاطِه بقرينةٍ أو دلالةٍ عن رتبةِ الإِطلاقِ إِلى التقييدِ بالندبِ.
ومما يدلُّ على أنَه مأمور به: أنَ الواجبَ ما يُعاقبُ على تركه، وُيثابُ على فِعلهِ، هذا المستقر في حكمِ الشرعِ، والندبُ ما يثابُ على فعلهِ، ولا يُعاقب على تركهِ، فإذا حملَ على الندبِ، فقد حُمِلَ على بعضِ ما يشتملُ عليه الواجبُ، وذلك لا يُمنَعُ به حقيقة، كالعموم إذا خَرَجَ منه بعض ما شمله بدلالةِ التخصيصِ، بَقي الباقي حقيقةً فيَما يشمله.
فصل
في الأسئلةِ على هذه الأدلةِ
قالوا: إن الواجبَ لم يَصِرْ مأمورًا به لكون الفاعل بحكمِه والممتثلِ له مطيعًا، ولا لكون الفعلِ طاعةً، وإنّما صارَ مَأمورًا به لكونِ مخالفتِه عصيانًا. قالوا: ولا نُسلم أنَ معنى الواجب ما يُثاب على فعلهِ، بل هو ما يُعاقبُ على تركهِ، وتدخلُ الإثابةُ على فِعْله تبعًا، بخلافِ العمومِ، فإنَ لفظة تناولَ الجنسَ واشتملَ عليه اشتمالًا واحدًا، فإذا خَرَجَ بعضُه بدليل اللفظِ متناولًا للباقي، فكان حقيقةً فيه، كقولنا: