الصيغةِ يخرجُ عن كونه ذاهلًا وساهيًا، ولو لَزِمَ اعتبارُ إرادةِ المأمورِ به لكونِ الصيغةِ أمرًا، لوَجَبَ أن يُعتبرَ عِلْمُ الآمرِ بطاعةِ المأمورِ واستجابتهِ، فلَما صَحَّ كونُ الآمر آمرًا، وهو الله سبحانه، مع كونِه عالمًا بأَنَه لا فَرْفَ بَيْنَ الأَمْرِ بما لا يريدُهو وبَيْنَ الأمرِ بما يَعْلَمُ أَنّه لا يكونُ مراده ومأمور به [1] ، والله أعلم.
وأَمَّا دعواهُم مخالفَتنا للّغةِ والحكمةِ، فغايةُ ما تُعطي اللغةُ الاستدعاءَ، وقد أثبتناه، وما دعوى الإِرادةِ إلاّ مِن طريق في دلائلِ أحوالِ المخلوقينَ، وقد دَلتْ دلائلُ أحوالِهم على الانتفاعِ بما أُمروا به، والحاجة إليه اقترانًا بشرطِه في الأمرِ في الجملةِ وفي حقِّ الله سبحانه، وإِنَّما الذي يقتضيه الإِطلاق إرادة صيغةِ الاستدعاءِ، وما وراء ذلك يقفُ علي دلائلِ الأحوالِ، فالإرادة للمأمورِ، والحاجةُ إليه والميلُ وما شاكلَ ذلك، فموقوفٌ على القرائنِ، دلائل الأحوالِ وتفرُّعها يحتاج إلى دلالة.
فصل
وقال أصحابُنا: والفعلُ لا يسمَّى أمرًا حقيقةً، كما لا يُسَمَّى كلامًا حقيقةً، سواءٌ كانت إشارةً مفهومةً أو غير ذلك [2] .
فعلى هذا فعلُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإن دلَّ على وجوبِ الاقتداءِ بالنبي صلى الله عليه وسلم
والمتابعةِ له، فإنّه ليس بأمرٍ.
(1) الإرادة عند أهل السنة نوعان:
1 -إرادة كونية قدرية، وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، كقوله تعالى: {ولكن الله يفعل ما يريد} [البقرة: 253] ،
2 -إرادة دينية شرعية، وهي المتضمنة للمحبة والرضا، كقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] .
(2) انظر هذا القول في"العدة"1/ 223، والمسوّدة ص (16) ، و،"التمهيد"1/ 139، و"شرح الكوكب المنير"3/ 6.