{إنا عرضنا الأمانة} أي أداءها أو حملها أو منعها أهلها، وهي طاعته سبحانه فيما أمر به العاقل، وفيما أراده من غيره، ولم يذكر المياه والرياح لأنهما من جملة ما في الكونين من الأمانات اللاتي يؤديانها على حسب الأمر {على السماوات} بما فيها من المنافع {والأرض} بما فيها من المرافق والمعادن. ولما أريد التصريح بالتعميم قال: {والجبال} ولأن أكثر المنافع فيها {فأبين} على عظم أجرامها وقوة أركانها وسعة أرجائها {أن يحملنها} فيمنعها ويحبسنها عن أهلها، قال الزمخشري: من قولك: فلان حامل للأمانة ومحتمل لها، أي لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج عن عهدتها، لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها، ألا تراهم يقولون: ركبته الديون ولي عليه حق، فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حاملاً لها {وأشفقن منها} فبدل كل منهن ما أودعه الله فيه في وقته كما أراده الله، وهو معنى: أتينا طائعين، والحاصل أنه جعلت الإرادة وهي الأمر التكويني في حق الأكوان لكونها لا تعقل كالأمر التكليفي التكويني في حقنا لأنا نعقل تمييزاً بين من يعقل ومن لا يعقل في الحكم، كما ميز بينهما في الفهم إعطاءً لكل منهما ما يستحقه رتبته - وهذا هو معنى ما نقله البغوي عن الزجاج وغيره من أهل المعاني، وما أحسن ما قاله النابغة زياد بن معاوية الذبياني حيث قال:
أتيتك عارياً خلقاً ثيابي ... على خوف تظن بي الظنون
فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون
قال ابن الفرات: إن عمر رضي الله عنه قال لما قيل له إن النابغة قائلهما: هو أشعر شعرائكم.