بسم الله القيوم الشهيد الذي لا يعزب شيء عن علمه، ولا يكون شيء إلا بإذنه، الرحمن الرحيم الذي عمت رحمته الموجودات، وطبع في مرائي القلوب عظمته فتعالت تلك السبحات، وأجري على الألسنة ذكره في العبادات والعادات، الرحيم الذي تمت معمته بتخصيص أهل ولايته بأرضى العبادات.
قال شيخنا الإمام المحقق أبو الفضل محمد بن العلامة القدوة أبي عبد الله محمد ابن العلامة القدوة أبي القاسم محمد المشدالي المغربي البجائي المالكي علامة الزمان سقى الله عهده سحائب الرضوان وأسكنه أعلى الجنان: الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل يدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربك بين جميع أجزاء القرآن، وإذا فعلته تبين لك إن شاء الله وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة سورة والله الهادي. انتهى.
وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورة سبأ في السنة العاشرة من ابتدائي في عمل هذا الكتاب أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها لأن اسم كل شيء تظهر المناسبة بينه وبين مسماه عنوانه الدال إجمالا على تفصيل ما فيه، وذلك هو الذي أنبأ به آدم عليه الصلاة والسلام عند العرض على الملائكة عليهم الصلاة والسلام، ومقصود كل سورة هاد إلى تناسبها، مقصود السورة، ولا أخرج عن معاني كلماتها، فالفاتحة اسمها"أم الكتاب""والأساس""والمثاني""والكنز"و"الشافية"و"الكافية"و"الوافية"و"الواقية"و"الرقية"و"الحمد"و"الشكر"و"الدعاء"و"الصلاة"فمدار هذه الأسماء كما ترى على أمر خفي كاف لكل مراد وهو المراقبة التي سأقول إنها مقصودها فكل شيء لا يفتتح بها لا اعتداد به، وهي كنز لكل شيء شافية لكل داء، كافية لكل هم، وافية بكل مرام، واقية من كل سوء رقية لكل مسلم، وهي إثبات للحمد الذي هو الإحاطة بصفات الكمال، وللشكر الذي هوز تعظيم المنعم، وهي عين الدعاء فإنه التوجه إلى المدعو، وأعظم مجامعها الصلاة.
إذا تقرر ذلك فالغرض الذي سيقت له الفاتحة وهو إثبات استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفا الكمال، واختصاصه بملك الدنيا والآخرة، وباستحقاق العبادة والاستعانة، بالسؤال في المن بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ من طريق الهالكين مختصا بذلك كله، ومدار ذلك كله مراقبة العباد لربهم، لإفراده بالعبادة، فهذا مقصود الفاتحة بالذات وغيره وسائل إليه، فإنه لا بد في ذلك من إثبات إحاطته تعالى بكل شيء ولن يثبت حتى يعلم أنه المختص بأنه الخالق الملك المالك، لأن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب نصب الشرائع، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحق والمقصود من جمعهم تعريفهم الملك وبما يرضيه، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة بالقصد الأول، ولن يكون ذلك إلا بما ذكر علما وعملا، ولما كان المقصود من جمعهم على الله تعالى معرفته لأجل عباداته وكان التزام اسمه تعالى في كل حركة وسكون قائدا إلى مراقبته وداعيا إلى مخافته واعتقاد أن مصادر الأمور ومواردها منه وإليه شرعت التسمية أول كل شيء فصدرت بها الفاتحة.
وقبلها التعوذ الذي هو من درء المفاسد تعظيما للقرآن بالإشارة إلى أن يتعين لتاليه أن يجتهد في تصفية سره وجمع متفرق أمره، لينال سؤله ومراده مما أودعه من خزائن السعادة بإعراضه عن العدو الحسود وإقباله على الولي الودود، ومن هنا تعرف مناسبة المعوذتين بالفاتحة.