{ويعلم ما في البر} وقدمه لأن الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن والمفاوز والجبال والتلال وكثرة ما بها من الحيوان والنبات النجم وذي الساق والمعادن {والبحر} وأخره لأن إحاطة العقل بأحواله أقل وإن كان الحس يدل على أن عجائبها أكثر، وطولها وعرضها أعظم، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب، فكان هذا الأمر المحسوس مقوياً لعظمة ذلك الأمر المعقول.
ولما ذكر ما يعم الثابت والمنتقل: خص المنتقل تنصيصاً على الجزئيات وتعظيماً للعلم بتعظيم المعلومات فقال: {وما تسقط} وأغرق في النفي بقوله: {من ورقة} ونكرها إتماماً للتعميم {إلا يعلمها} ولما كان هذا مع عظمه ظاهراً، ذكر ما هو أدق منه فقال: {ولا} أي
وما من {حبة} ودل على أن الأرض ليس لها من نفسها نور تنبيهاً على ما أودع هذا الآدمي المكوّن منها من الغرائب بقوله: {في ظلمات الأرض} أي ولو كان في أقصى بطنها، فكيف بماهو في النور وهو أكبر من الحبة.
ولما خص، رجع إلى التعميم رداً للآخر على الأول فقال: {ولا رطب ولا يابس} أي وجد أو لم يوجد أو سيوجد {إلا في كتاب مبين} أي موضح لأحواله وأعيانه وكل أموره وأحيانه، فثبت أنه فاعل لجميع العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان، لأنه وحده عالم بجميع المعلومات، ومن اختص بعلم جميع المعلومات كان مختصاً بصنع جميع المصنوعات قادراً على جميع المقدورات.