{قال فالحق} أي فبسبب إغوائك وغوايتهم أقول الحق {والحق} أي لا غيره أبداً {أقول} أي لا أقول إلا الحق، فإن كل شيء قلته ثبت، فلم يقدر أحد على نقضه ولا نقصه.
ولما كانت إجابته بالإنظار ربما كانت سبباً لطمعه في الخلاص، قطع رجاءه بما أبرزه في أسلوب التأكيد من قوله جواباً لقسم مقدر وبياناً للحق، وفي قراءة عاصم وحمزة برفع {فالحق} يكون هو المقسم به أي فالحق قسمي، والجواب {لأملأن} وما بينهما اعتراض مبين أن هذا مما لا يخلف أصلاً {جهنم} أي النار العظيمة التي من شأنها تجهم من حكم بدخوله إياها {منك} أي نفسك وكل من كان على شاكلتك من جنسك من جميع الجن {وممن} .
ولما كان الأغلب على سياقات هذه السورة سلامة العاقبة، كان توحيد الضمير في {تبع} أولى، وليفهم الحكم على كل فرد ثم الحكم على المجموع فقال: {تبعك} ولما كان ربما قال متعنت: إن المالئ لجهنم من غير البشر قال: {منهم} أي الناس الذين طلبت الإمهال لأجلهم، وأكد ضمير {منك} والموصول في {ممن} بقوله: {أجمعين} لا تفاوت في ذلك بين أحد منكم، وهذا الخصام الذي بين سبحانه أنه كان بين الملإ الأعلى كان سبباً لهم إلى انكشاف علوم كثيرة منها أن السجود والتحيات والاستغفار والكفارات سبب الوصول إلى الله والقربات، فصاروا بعد ذلك يختصمون فيها، فكانت هذه القضية سبباً لاطلاع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أسرار الملك والملكوت، وإلى ذلك الإشارة بالحديث الذي رواه أحمد والترمذي - وقال: حسن غريب - والدارمي والبغوي في تفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إني نعست فاستثقلت نوماً فأتاني ربي» - وفي رواية؛ «آتٍ من ربي - في أحسن صورة، فقال لي يا محمد، قلت: لبيك ربي وسعديك، قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، فقلت لا يا رب» - وفي رواية: «قلت: أنت أعلم أي رب مرتين - قال: فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي - أو قال: نحري - فعلمت ما في السماوات وما في الأرض» - وفي رواية: «ما بين المشرق والمغرب» - وفي رواية الدارمي والبغوي: «ثم تلا هذه الآية {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} قال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: نعم، في الدرجات والكفارات، قال: وما هن؟ قلت: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره» -