و «لولا» هنا كالتي في يونس توبيخية أو استفامية كما جوزهما الرماني، ويجوز أن تكون تخصيصية كما قال الزمخشري، ويكون للسامع لا للمهلك، لأن الآية لما تضمنت إهلاك المقر على الفساد كان في ذلك أقوى حث لغيرهم على الأمر والنهي وأوفى تهديد زاجر عن ارتكاب مثل حالهم الموقع في أضعاف نكالهم، وفي تعقيب هذه الآية لآية الصبر إشارة إلى أن الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الذروة العليا، والآية ناظرة إلى قوله تعالى {إنما أنت نذير} .
ولما كانت المعاني الثلاثة متضمنة للنفي، كان المعنى: لم يكن من يفعل ذلك، فاتصل الاستثناء في قوله: {إلا قليلاً} أي صالحين {ممن أنجينا منهم}
والظاهر أن «من» بيانية، أي هم الذين أنجينا فإنهم نهوا عن الفساد، عبر بالإنجاء لأنه الدال على الخير الحامل للنهي عن الفساد دون التنجية الدالة على التدريج والإبلاغ في الإنجاء فلو عبر بها فسد المعنى {واتبع} الأكثر وهم {الذين ظلموا}
أي أوقعوا الظلم بترك النهي عن الفساد، وما أحسن إطلاقها عن التقييد بـ {منهم} {ما} ولما كان المبطر لهم نفس الترف، بني للمفعول قوله: {أُترفوا فيه} فأبطرتهم النعمة حتى طغوا وتجبروا {وكانوا مجرمين} أي متصفين على سبيل الرسوخ بالإجرام، وهو قطع حبل الله على الدوام، فأهلكهم ربك لإجرامهم، ولولا ذلك لما فعل، فإن إهلاكهم على تقدير الانفكاك عن الإجرام يكون ظلماً على ما يتعارفون.