فهرس الكتاب

الصفحة 1013 من 2940

قال الحرالي: {يحاسبكم} من المحاسبة مفاعلة من الحساب والحسب، وهو استيفاء الأعداد فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة والباطنة يعني ليجازي بها {به الله} أي بذكره لكم وأنتم تعلمون ما له من صفات الكمال.

قال الحرالي: وفي ضمن هذا الخطاب لأولي الفهم إنباء بأن الله سبحانه وتعالى إذا عاجل العبد بالحساب بحكم ما يفهمه ترتيب الحساب على وقوع العمل حيث لم يكن فيحاسبكم مثلاً فقد أعظم اللطف به، لأن من حوسب بعمله عاجلاً في الدنيا خف جزاؤه عليه حيث يكفر عنه بالشوكة يشاكها حتى بالقلم يسقط من يد الكاتب، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من ذنوبه وفراغ من حسابه كالذي يتعاهد بدنه وثوبه بالتنظيف فلا يتسخ ولا يدرن ولا يزال نظيفاً - انتهى وفيه تصرف.

ولما كان حقيقة المحاسبة ذكر الشيء والجزاء عليه وكان المراد بها هنا العرض وهو الذكر فقط بدلالة التضمن دل عليه بقوله مقدماً الترجئة معادلة لما أفهمه صدر الآية من التخويف: {فيغفر لمن يشاء} أي فلا يجازيه على ذلك كبيرة كان أو لا {ويعذب من يشاء} بتكفير أو جزاء.

ولما أخبر سبحانه وتعالى بهذا أنه مطلق التصرف ختم الكلام دلالة على ذلك بقوله مصرحاً بما لزم تمام علمه من كمال قدرته: {والله} أي الذي لا أمر لأحد معه {على كل شيء قدير} أي ليس هو كملوك الدنيا يحال بينهم وبين بعض ما يريدون بالشفاعة وغيرها.

قال الحرالي: فسلب بهذه الآية القدرة عن جميع الخلق - انتهى.

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية خاصة بأمر الشهادة.

وقال الأكثرون: هي عامة كما فهمها الصحابة رضوان الله سبحانه وتعالى عليهم في الوسوسة وحديث النفس المعزوم عليه وغيره ثم خففت بما بعدها، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «لما نزلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لله ما في السماوات} الآية إلى {قدير} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم بركوا على الركب فقالوا: يا رسول الله! كُلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أترون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: {سمعنا وعصينا} [البقرة: 93] ، قولوا: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} قالوا: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} .

فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها {آمن الرسول بما أنزل إليه} إلى {المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى وأنزل {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} إلى {أو أخطأنا} قال: نعم»

قال البغوي: وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما: قد فعلت، واستمر إلى آخر السورة كلما قرؤوا جملة قال: نعم. فقد تبين من هذا تناسب هذه الآيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت