{الحمد لله} أي المستحق لذلك لذاته.
ولما أخبر باستحقاقه ذلك لذاته، أخبر بأنه يستحقه أيضاً لصفاته وأفعاله، فقال تعالى: {الذي} ولما كان المراد وصف جملة الكتاب بالإعجاز من غير نظر إلى التفريق والتدريج، عبر بالإنزال دون التنزيل فقال: {أنزل} وعدل عن الخطاب بأن يقول: عليك، كما يقول: فلعلك باخع نفسك، كما في ذلك من الوصف بالعبودية والإضافة إليه سبحانه من الإعلام بتشريفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتنبيه على علة تخصيصه بالإنزال عليه كما تقدم في سورة البقرة، فقال. مقدماً له على المنزل لأن المراد الدلالة على صحة رسالته بما لا يحتاج فيه قريش إلى سؤال اليهود ولا غيرهم من تخصيصه بما لا يقدر عليه غيره: {على عبده} وإشارة إلى أنه الذي أسرى به إلى حضرات مجده ليريه من آياته {الكتاب} الجامع لمعاني الكتب المشار إليه في آخر التي قبلها بما أشير إليه من العظمة كما آتى موسى التوراة الآمرة بالعدل في الأحكام، وداود الزبور الهادي إلى الزهد والإحسان، على ما أشير إليه في {سبحان} .
ولما كان الجامع لا يخلو من عوج أو قابلية له إلا أن كان من علام الغيوب، نفى القابلية والإمكان دلالة على أنه من عنده لينتفي العوج بطريق الأولى فقال تعالى: {ولم} أي والحال أنه لم {يجعل له}
ولم يقل: (فيه عوجاً) أي شيئاً من عوج، أي بل هو مستقيم في جميع معانيه من غير اختلاف أصلاً، هادٍ إلى كل صواب، لأن العوج - بالكسر: فقد الاستقامة في المعاني، وبالفتح في الأعيان؛ وأتبعه حالاً أخرى له بقوله تعالى: {قيماً} تصريحاً باللازم تأكيداً له، ومقيداً أنه مهيمن على ما قبله من الكتب مقيم لغيره، وقد مضى في الفاتحة ثم في الأنعام عن الإمام سعد الدين التفتازاني الشافعي رحمه الله أن كل سورة افتتحت بالحمد فللإشارة إلى نعمة من أمهات النعم التي هي إيجاد وإبقاء أولاً، وإيجاد وإبقاء ثانياً، وأنه أشير في الفاتحة لكونها أم الكتاب إلى الأربع، وفي الأنعام إلى الإيجاد الأول وهو ظاهر، وفي هذه السورة إلى الإبقاء الأول، فإن نظام العالم وبقاء النوع الإنساني يكون بالنبي والكتاب. انتهى.