ولما وصلوا إلى التقليد المحض الخالي عن أدنى نظر كما تفعل البهائم والطير في تبعها لأولها {قال} معرضاً عن جواب كلامهم بنقص، إشارة إلى أنه ساقط لا يرتضيه من شم رائحة الرجولية: {أفرأيتم} أي فتسبب عن قولكم هذا أني أقول لكم: أرأيتم، أي إن لم تكونوا رأيتموهم رؤية موجبة لتحقق أمرهم فانظروهم نظراً شافياً {ما كنتم} أي كوناً هو كالجبلة لكم {تعبدون} مواظبين على عبادتهم {أنتم} .
ولما أجابوه بالتقليد، قال لهم ما معناه، رقوا تقليدكم هذا إلى أقصى غاياته، فإن التقدم والأولوية لا تكون برهاناً على الصحة، والباطل لا ينقلب حقاً بالقدم، وذلك مراده من قوله: {وآباؤكم الأقدمون} أي الذين هم أقدم ما يكونون: هل لهم وصف غير ما أقررتم به من عدم السماع والنفع والضر؟
{فإنهم} أي فتسبب عن رؤيتكم ووصفكم لهم بما ذكرتم أني أخبركم إخباراً مؤكداً أنهم.
ولما كانت صيغة فعول للمبالغة، أغنت في العدو والصديق عن صيغة الجمع ولا سيما وهي شبيهة بالمصادر كالقبول والصهيل، فقال مخبراً عن ضمير الجمع: {عدو لي} أي أناصفهم بالسوء وأعاملهم في إبطالهم ومحقهم معاملة الأعداء وكل من عبدهم كما قال في الآية الأخرى {لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} [الأنبياء: 54] ، {أف لكم ولما تعبدون من دون الله} [الأنبياء: 57] و {تالله لأكيدن أصنامكم} [الأنبياء: 67] .
ولما كانوا هم مشركين، وكان في آبائهم الأقدمين من عبد الله وحده. قال: {إلا رب العالمين} أي مدبر هذه الأكوان كلها - كما قال موسى عليه السلام - لأن ذلك أشهر الأوصاف وأظهرها، فإنه ليس بعدوي، بل هو وليّي ومعبودي.