فهرس الكتاب

الصفحة 824 من 2940

{والوالدات} أي من المطلقات وغيرهن، وأمرهن بالإرضاع في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد فعل وتم تنبيهاً على تأكيده وإن كان الندب بما أفهمه إيجاب الأجرة لهن هنا وفي سورة الطلاق وما يأتي من الاسترضاع فقال: {يرضعن أولادهن}

قال الحرالي: جعل تعالى الأم أرض النسل الذي يغتذي من غذائها في البطن دماً كما يغتذي أعضاؤها من دمها فكان لذلك لبنها أولى بولدها من غيرها ليكون مغذاه وليداً من مغذاه جنيناً فكان الأحق أن يرضعن أولادهن، وذكره بالأولاد ليعم الذكور والإناث؛ وقال: الرضاعة التغذية بما يذهب الضراعة وهو الضعف والنحول بالرزق الجامع الذي هو طعام وشراب وهو اللبن الذي مكانه الثدي من المرأة والضرع من ذات الظلف - انتهى.

{حولين} ولما كان الشيء قد يطلق على معظمه مجازاً فيصح أن يراد حول وبعض الثاني بين أن المراد الحقيقة قطعاً لتنازع الزوجين في مدة الرضاع وإعلاماً بالوقت المقيد للتحريم كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إنما الرضاعة من المجاعة» بقوله: {كاملين} ولما كان ذلك ربما أفهم وجوب الكمال نفاه بقوله: {لمن} أي هذا الحكم لمن أراد أن يتم

الرضاعة فأفهم أنه يجوز الفطام للمصلحة قبل ذلك وأنه لا رضاع بعد التمام.

ولما أوهم أن ذلك يكون مجاناً نفاه بقوله: {وعلى} ولما كانت الوالدية لا تتحقق في الرجل كما تتحقق في المرأة وكان النسب يكتفى فيه بالفراش وكان للرجل دون المرأة فقال: {المولود له} أي على فراشه {رزقهن} أي المرضعات لأجل الرضاع سواء كن متصلات أو منفصلات فلو نشزت المتصلة لم يسقط وإن سقط ما يخص الزوجية. فلما كان اشتغالها بالرضاع عن كل ما يريده الزوج من الاستمتاع ربما أوهم سقوط الكسوة ذكرها فقال: {وكسوتهن} أجرة لهن.

قال الحرالي: الكسوة رياش الآدمي الذي يستر ما ينبغي ستره من الذكر والأنثى وقال: فأشعرت إضافة الرزق والكسوة إليهن باعتبار حال المرأة فيه وعادتها بالسنة لا بالبدعة - انتهى.

ولما كان الحال مختلفاً في النفقة والكسوة باختلاف أحوال الرجال والنساء قال: {بالمعروف} أي - من حال كل منهما.

{لا تضآر والدة بولدها} أي لا تضر المنفق به ولا يضرها، وضم الراء ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب على الخير وهو آكد، وفتح الباقون على النهي، ويحتمل فيها البناء للفاعل والمفعول {ولا مولود له بولده} أي المولود على فراشه ليس له أن يضر الوالدة به وليس لها أن تضره به ولا أن تضر الولد بتفريط ونحوه حملاً للمفاعلة على الفعل المجرد، وكل من أسند سبحانه وتعالى المضارة إليه أضاف إليه الولد استعطافاً له عليه وتحريكاً لطبعه إلى مزيد نفعه.

قال الحرالي: ففيه إيذان بأن لا يمنع الوالد الأم أن ترضع ولدها فيضرها في فقدها له ولا يسيء معاملتها في رزقها وكسوتها بسبب ولدها، فكما لم يصلح أن يمسكها زوجة إلا بمعروف لم يصلح أن يسترضعها إلا بالمعروف ولا يتم المعروف إلا بالبراءة من المضارة. وفي إشعاره تحذير الوالدات من ترك أولادهن لقصد الإضرار مع ميل الطبع إلى القيام بهم وكذلك في إشعاره أن لا تضره في سرف رزق ولا كسوة - انتهى.

{فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} فيما نقصاه عن الحولين لأنهما غير متهمين في أمره واجتماع رأيهما فيه ورأي من يستشيرانه قلّ ما يخطئ.

قال الحرالي: فيه إشعار بأنها ثلاث رتب: رتبة تمام فيها الخير والبركة، ورتبة كفاية فيها رفع الجناح، وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى.

وقد أفهم تمام هذه العناية أن الإنسان كلما كان أضعف كانت رحمة الله له أكثر وعنايته به أشد.

ولما كانت هذه الأحكام أدق مما في الآية التي بعدها وكثير منها منوط بأفعال القلوب ختمها بما يدل على البصر والعلم فقال: {بصير} أي بالغ العلم به فاعملوا بحسب ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت