{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} ولما كان أول مخاطب بهذا قريشاً، ثم مضر، وكانوا كلهم أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام حقيقة، قال: {أبيكم إبراهيم} أي الذي ترك عبادة الأصنام ونهى عنها، ووحد الله وأمر بتوحيده، يا من تقيدوا بتقليد الآباء! فالزموا دينه لكونه أباً، ولكوني أمرت به، وهو أب لبعض المخاطبين من الأمة حقيقة، ولبعضهم مجازاً بالاحترام والتعظيم، فيعم الخطاب الجميع.
{هو} أي إبراهيم عليه السلام {سمّاكم المسلمين} في الأزمان المتقدمة {من قبل} أي قبل إنزال هذا القرآن.
ويجوز - ولعله أحسن - أن يكون {هو سمّاكم} تعليلاً للأمر بحق الجهاد بعد تعليله بقوله {هو اجتباكم} فيكون الضمير لله تعالى، ويشهد له بالحسن قراءة أبي رضي الله عنه بالجلالة عوضاً عن الضمير، أي أن كل أمة تسمت باسم من تلقاء نفسها، والله تعالى خصكم باسم الإسلام مشتقاً له من اسمه {السلام} [الحشر: 3] مع ما خصكم به من اسم الإيمان اشتقاقاً له من اسمه المؤمن، فأثبت لكم هذا الاسم في كتبه، واجتباكم لاتباع رسوله.
{فأقيموا الصلاة} التي هي زكاة قلوبكم، وصلة ما بينكم وبين ربكم {وآتوا الزكاة} التي هي طهرة أبدانكم، وصلة ما بينكم وبين إخوانكم
{واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} لأنه إذا تولى أحداً كفاه كل ما أهمه، وإذا نصر أحداً أعلاه على كل من خاصمه «ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته» - الحديث، «إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت» وهذا نتيجة التقوى، وما قبله من أفعال الطاعة دليلها. فقد انطبق آخر السورة على أولها. ورد مقطعها على مطلعها - والله أعلم بمراده وأسرار كتابه وهو الهادي للصواب.