{كلما} وعبر بها دون (إذا) دلالة على شدة حرصهم على إيجاد المشي عند الإضاءة {أضاء لهم مشوا فيه} مبادرين إلى ذلك حراصاً عليه لا يفترون عنه في وقت من أوقات الإضاءة مع أنهم يغضون أبصارهم ولا يمدونها غاية المد خوفاً عليهم ووقوفاً مع الأسباب ووثوقاً بها واعتماداً عليها وغفلة عن رب الأرباب، وهو مثل لما وجدوا من القرآن موافقاً لآرائهم، وعطف بـ (إذا) لتحقق خفوته بعد خفوقه.
قوله: {وإذا أظلم عليهم قاموا} أي أول حين الإظلام لا يقدرون على التقدم خطوة واحدة إشارة إلى أنه ليست لهم بصائر بها فيما كشف البرق لأبصارهم من الأرض قبل الإظلام بل حال انقطاع اللمعان يقفون لعمى بصائرهم ووحشتهم وجبنهم وغربتهم وشدة جزعهم وحيرتهم، وهكذا حال هؤلاء لا يقيسون ما أشكل عليهم من القرآن على ما فهموه.
{ولو شاء الله} الذي له العظمة الباهرة مع شدة حرصهم وتناهي جزعهم، ودل على مفعول شاء بقوله: {لذهب بسمعهم} أي بقاصف الرعد ولم يغنهم سدّ آذانهم {وأبصارهم} بخاطف البرق ولم يمنعه غضَّهم لها، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {على كل شيء} أي مشيء أي يصح أن تقع عليه المشيئة هذا المراد وإن كان الشيء كما قال سيبويه يقع على كل ما أخبر عنه، وهو أعم العام كما أن الله أخص الخاص، يجري على الجسم والعرض والقديم والمعدوم والمحال.
وقول الأشاعرة: إن المعدوم ليس بشيء، بمعنى أنه ليس بثابت في الأعيان متميز فيها {قدير} إعلاماً بأن قدرته لا تتقيد بالأسباب.
قال الحرالي: القدرة إظهار الشيء من غير سبب ظاهر انتهى.
ولعله سبحانه قدم المثل الأول لأنه كالجزء من الثاني، أو لأنه مثل المنافقين، جعلت مدة صباهم بنموهم وازدياد عقولهم استيقاداً مع جعل الله إياهم على الفطرة القويمة وزمان بلوغهم بتمام العقل الغريزي إضاءة؛ والثاني مثل المنافقين وهو أبلغ. لأن الضلال فيه أشنع وأفظع. فالصيب القرآن الذي انقادوا له ظاهراً، والظلمات متشابهه، والصواعق وعيده، والبرق وعده، كلما أنذروا بوعيد انقطعت قلوبهم خوفاً {يحسبون كل صيحة عليهم} [المنافقون: 4] وكلما بشروا انقادوا رجاء، وإذا عرض المتشابه وقفوا تحيراً وجفاء وكل ذلك وقوفاً مع الدنيا وانقطاعاً إليها، لا نفوذ لهم إلى ما وراءها أصلاً، بل هم كالأنعام، لا نظر لهم إلى ما سوى الجزيئات والأمور المشاهدات، {فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم} [النساء: 141] {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاًعظيماً} [النساء: 73] .
والكلام الجامع النافع في ذلك أن يقال إنه سبحانه شبّه في الأول مثلهم بمثل المستوقَد لا بالمستوقِد، وفي الثاني شبه مثلهم في خوفهم اللازم ورجائهم المنقطع بأصحاب الصيب لا بمثلهم؛ فتقدير الأول مثلهم في أنهم سمعوا أولاً الدعاء ورأوا الآيات فأجابوا الداعي إما بالفعل كالمنافقين وإما بالقوة في أيام الصبا لما عندهم من سلامة الفطر وصحة النظر، ثم تلذذوا فرجعوا بقلوبهم من نور ما قالوه بألسنتهم من كلمة التقوى نطقاً أو تقديراً إلى ظلمات الكفر، فلم ينفعهم سمع ولا بصر ولا عقل، فصاروا مثل البهائم التي لا تطيع الراعي إلا بالزجر البليغ، مثلهم في هذا يشبه مثل المستوقد في أنه لما أضاءت ناره رأى ما حوله، فلما ذهبت لم يقدر على تقدم ولا تأخر، لأنه لا ينفع في ذلك سمع ولا كلام فإذن استوى وجودهما وعدمهما، فصار عادماً للثلاثة، فكان من هذه الجهة مساوياً للأصم الأبكم الأعمى، فهو مثله لكونه لا يقدر على مراده إلا أن قاده قائد حسي، فهو حينئذ مثل البهائم التي لا تقاد للمراد إلا بقائد، فاستوى المثلان وسيتضح ذلك عند قوله تعالى: {كمثل الذي ينعق} [البقرة: 171] ولذلك كانت النتيجة في كل منها صم إلى آخره و «أو» بمعنى الواو، ولعله عبر بها دونها لأنه وإن كان كل من المثلين صالحاً لكل من القسمين فإن احتمال التفصيل غير بعيد، لأن الأول أظهر في الأول والثاني في الثاني.