فهرس الكتاب

الصفحة 1753 من 2940

ولما كانت هذه الأمور موجبة لرفعته، فكان حينئذٍ أبعد شيء عن السجن لو كان الناس متمكنين من جري أمورهم على حسب السديد من عقولهم، أخبر تعالى أنهم خالفوا داعي السداد واستبدلوا الغيّ بالرشاد، لحكمه بأن السجن سبب عظيم لصرف كيدهن عنه وإثبات العز والمكنة له، ففعلوا - مع علمهم بأن ذلك ظلم وسفه - إجابة لغالب أمر الله وإظهاراً لعليّ قدره بمخالفة العوائد مرة بعد مرة، وهدم سداد الأسباب كرة إثر كرة؛ فقال: {ثم} لهذا المعنى، وهو أنهم كان ينبغي أن يكونوا من سجنه في غاية البعد {بدا} أي ظهر بعد الخفاء كما هي عادتهم {لهم} والبداء في الرأي: التلون فيه لظهور ما لم يكن ظهر منه.

ولما كان ذلك الظهور في حين من الدهر تلونوا بعده إلى رأي آخر، أدخل الجار دلالة على ذلك فقال: {من بعد ما رأوا} أي رؤيتهم {الآيات} القاطعة ببراءته القاضية بنزاهته من قد القميص وشهادة الشاهد وغير ذلك.

{ليسجننه} فيمكث في السجن {حتى حين} أي إلى أن تنسى تلك الإشاعة، ويظهر الناس أنها لو كانت تحبه ما سعت في سجنه.

قال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب اللوامع: وعلى الجملة فكل أحوال يوسف عليه الصلاة والسلام لطف في عنف، ونعمة في طي بلية ونقمة، ويسر في عسر، ورجاء في يأس، وخلاص بعد لات مناص، وسائق القدر ربما يسوق القدر إلى المقدور بعنف، وربما يسوقه بلطف، والقهر والعنف أحمد عاقبة وأقل تبعة - انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت