فهرس الكتاب

الصفحة 524 من 2940

{وقالوا لن يدخل} {وقالوا} أي الفريقان من أهل الكتاب لأتباع الهدى {كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} أي لم يكفهم ارتكابهم للباطل وسلوكهم طرق الضلال حتى دعوا إلى ما هم عليه ووعدوا بالهداية الصائرة إليه فأمره تعالى بأن يجيبهم أنه مستن بسنة أبيهم لا يحول عنها كما حالوا فقال موجهاً الخطاب إلى أشرف خلقه لعلو مقام ما يخبر به وصعوبة التقيد به على النفس: {قل بل} مضرباً عن مقالهم، أي لا يكون شيئاً مما ذكرتم بل نكون أو نلابس أنا ومن لحق بي من كمل أهل الإسلام {ملة إبراهيم} ملابسة نصير بها إياها كأننا تجسدنا منها، وهو كناية عن عدم الانفكاك عنها، فهو أبلغ مما لو قيل: بل أهل ملة إبراهيم.

قال الحرالي: ففيه كمال تسنن محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ملته بملة إبراهيم عليه السلام الذي هو الأول لمناسبة ما بين الأول والآخر.

{حنيفاً} ليناً هشاً سهلاً قابلاً للاستقامة مائلاً مع داعي الحق منقاداً له مسلماً أمره إليه.

وقال الحرالي: الحنيف المائل عن متغير ما عليه الناس عادة إلى ما تقتضيه الفطرة حنان قلب إلى صدق حسه الباطن.

ولما أثبت له الإسلام بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله: {وما كان من المشركين}

قال الحرالي: فيه إنباء بتبرئة كيانه من أمر الشرك في ثبت الأمور والأفعال والأحوال وفي إفهامه أنه من أمر محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الكمال الخاتم كما أن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منه في الابتداء الفاتح، قال تعالى لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قل إن صلاتي} [الأنعام: 162] إلى قوله: {وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 163] فهذه أولية رتبة الكمال التي هي خاصة به ومن سواه فهو منه فيها، لأن نفي الشيء يفهم البراءة واللحاق بالمتأصل في مقابله، فمن لم يكن مثلاً من الكافرين فهو من المؤمنين، لأنه لو كان هو المؤمن لذكر بالصفة المقابلة لما نفى عنه، لما في ذلك من معنيي إثبات الوصف ونفي مقابله، ومثل هذا كثير الدور في خطاب القرآن، وبين من له الوصف ومن هو منه تفاوت ما بين السابق واللاحق في جميع ما يرد من نحوه يعني ومثل هذا التفاوت ظاهر للفهم خفي عن مشاهد العلم، لأن العلم من العقل بمنزلة النفس؛ والفهم من العقل بمنزلة الروح، فللفهم مدرك لا يناله العلم، كما أن للروح معتلى لا تصل إليه النفس، لتوجه النفس إلى ظاهر الشهود ووجهة الروح إلى على الوجود - انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت