فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 2940

{ولكن البر مَن} أي إيمان مَن، ولعله عبر بذلك إفهاماً لأن فاعل ذلك نفسه بر أي أنه زكى حتى صار نفس الزكاة {آمن بالله} الذي دعت إليه آية الوحدانية فأثبت له صفات الكمال ونزهه عن كل شائبة نقص مما على ذلك من دلائل أفعاله.

ولما كان من أهم خلال الإيمان القدرة على البعث والتصديق به لأنه يوجب لزوم الخير والبعد عن الشر قال: {واليوم الآخر} الذي كذب به كثير من الناس فاختل نظامهم ببغي بعضهم على بعض، فالأول مبرأ عن الأنداد وهذا مبعد عن أذى العباد.

{وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} وكذا فضل سبحانه وتعالى الصدقة، وفي تعقيب الإيمان بها إشعار بأنها المصدقة له فمن بخل بها كان مدعياً للإيمان بلا بينة، وإرشاد إلى أن في بذلها سلامة من فتنة المال {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] لأن من آمن وتصدق كان قد أسلم لله روحه وماله الذي هو عديل روحه فصار عبد الله حقاً، وفي ذلك إشارة إلى الحث على مفارقة كل محبوب سوى الله سبحانه وتعالى في الله.

قال الحرالي: فمن ظن أن حاجته يسدها المال فليس براً، إنما البر الذي أيقن أن حاجته إنما يسدها ربه ببره الخفي - انتهى.

فلذلك قال: {وآتى المال} أي الذي أباحه بعد جعله دليلاً عليه كرم نفس وتصديق إيمان بالاعتماد في الخلف على من ضمن الرزق وهو على كل شيء قدير؛ وأشار إلى أن شرط الإيمان به إيثاره سبحانه وتعالى على كل شيء بقوله: {على حبه} أي إيتاء عالياً فيه حب الله على حبه المال إشارة إلى التصدق في حال الصحة والشح بتأميل الغنى وخشية الفقر؛ وأشار إلى أنه لوجهه لا لما كانوا يفعلونه في الجاهلية من التفاخر.

{وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ}

قال الحرالي: وفيه إشعار بأن من تحقق بالصبر على الإيثار فكان شاكراً تحقق منه الصبر في الابتلاء والجهاد تأييداً من الله سبحانه وتعالى لمن شكره ابتداء بإعانته على الصبر والمصابرة انتهاء، كأنه لما جاد بخير الدنيا على حبه أصابه الله ببلائها تكرمة له ليوفيه حظه من مقدوره في دنياه فيكون ممن يستريح عند موته وبأنه إن جاهد ثبت بما يحصل في نفس الشاكر الصابر من الشوق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى تبرؤاً من الدنيا وتحققاً بمنال الخير من الله - انتهى.

{أولئك} أي خاصة الذين علت هممهم وعظمت أخلاقهم وشيمهم {الذين صدقوا} أي فيما ادعوه من الإيمان، ففيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم لم يصدق في دعواه {وأولئك هم} خاصة {المتقون} ليوم الجزاء، وفي جعله نعتاً لهم إشعار بأنهم تكلفوا هذه الأفعال لعظيم الخوف.

وقال ابن الزبير في برهانه: ثم ذكر الزكاة والصيام والحج والجهاد إلى غير ذلك من الأحكام كالنكاح والطلاق والعدد والحيض والرضاع والحدود والربا والبيوع إلى ما تخلل هذه الآيات من تفاصيل الأحكام ومجملها، وقدم منها الوفاء بالعهد والصبر، لأن ذلك يحتاج إليه في كل الأعمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت