فهرس الكتاب

الصفحة 2610 من 2940

{وما يستوي} أي في حالة من الأحوال.

ولما كان المقام لوعظ المشركين، وكان المتدسي قبل المتزكي على ما قرر قبله، ناسب أن ينظم على هذا الترتيب قوله مثالاً للكافر والمؤمن والجاهل والعالم.

وقدم مثال الجاهل لأن الأصل عن الإرسال الجهل: {الأعمى والبصير} أي لا الصنفان ولا أفرادهما ولا أفراد صنف منهما، وأغنى عن إعادة النافي ظهور المفاوتة بين أفراد كل صنف من الصنفين، فالمعنى أن الناس غير مستوين في العمى والبصر بل بعضهم أعمى وبعضهم بصير، لأن افتعل هنا لمعنى تفاعل، ولعله عبر به دلالة على النفي ولو وقع اجتهاد في أن لا يقع، أو دلالة على أن المنفي إنما هو التساوي من كل جهة، لا في أصل المعنى ولو كان ذلك مستنداً إلى الطبع لكانوا على منهاج واحد بل وأفراد كل متفاوتون فتجد بعض العمى يمشي بلا قائد في الأزقة المشكلة، وآخر لا يقدر على المشي في بيته إلا بقائد، وآخر يدرك من الكتاب إذا جسه كم مسطرته من سطر، وهل خطه حسن أو لا، وآخر يدرك الدرهم الزيف من غيره، ويميز ضرب كل بلد من غيره، وربما نازعه أحد مغالطة فلا يقبل التشكيك، وآخر في غاية البعد عن ذلك، وأما البصراء فالأمر فيهم واضح في المفاوتة في أبصارهم وبصائرهم، وكل ذلك دليل واضح على أن الفاعل قادر مختار يزيد في الخلق ما يشاء، وإلا لتساوت الأفراد فكانوا على منهاج واحد.

ولما كان هذا من أغرب الأمور وإن غفل عنه لكثرة إلفه، نبه على غرابته ومزيد ظهور القدرة فيه بتكرير النافي في أشباهه وعلى أن الصبر لا ينفذ إلا في الظلمة، تنبيهاً على أن المعاصي تظلم قلب المؤمن وإن كان بصيراً.

وقدم الظلمة لأنها أشد إظهاراً لتفاوت البصر مع المناسبة للسياق على ما قرر، فقال في عطف الزوج على الزوج وعطف الفرد على الفرد جامعاً تنبيهاً على أن طرق الضلال يتعذر حصرها: {ولا الظلمات} التي هي مثال للأباطيل؛ وأكد بتكرير النافي كالذي قبله لأن المفاوتة بين أفراد الظلمة وأفراد النور خفية، فقال منبهاً على أن طريق الحق واحدة تكذيباً لمن قال من الزنادقة: الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق: {ولا النور} الذي هو مثال للحق، فما أبدعهما على هذا التضاد إلا الله تعالى الفاعل المختار، وفاوت بين أفراد النور وأفراد الظلمة، فما يشبه نور الشمس نور القمر ولا شيء منهما نور غيرهما من النجوم ولا شيء من ذلك نور السراج - إلى غير ذلك من الأنوار، وإذا اعتبرت أفراد الظلمات وجدتها كذلك، فإن الظلمات إنما هي ظلال، وبعض الظلال أكثف من بعض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت