ولما نهى عن الضرار في العصمة وفي أثرها الذي هو العدة أتبعه النهي عما كان منه بعد انقضائها بالعضل من كل من يتصور منه عضل لكن لما كان نهي الأولياء إذا كانوا أزواجاً نهياً لغيرهم بطريق الأولى أسنده إلى الأزواج وهم في غمارهم فقال: {وإذا طلقتم} أي أيها الأزواج، وأظهر ولم يضمر لأن المذكور هنا أعم من الأول فقال: {النساء} أيّ طلاق كان {فبلغن أجلهن} أي انقضت عدتهن فقد دل سياق الكلامين على اختلاف البلوغين - نقله الأصبهاني عن الشافعي يعني أن الأول دل على المشارفة للأمر بالإمساك وهذا على الحقيقة للنهي عن العضل {فلا تعضلوهن} أي تمنعوهن أيها الأولياء أزواجاً كنتم أو غير أزواج.
{أن ينكحن أزواجهن} أي الذين طلقوهن وغيرهم، وسموا أزواجاً لمآل أمرهم إلى ذلك كما أن المطلقين سموا أزواجاً بما كان.
واستدل الشافعي رضي الله تعالى عنه ورحمه بها على أنه لا نكاح إلا بولي، لأن التعبير بالعضل دال على المنع الشديد المعبر من الداء العضال، وإن عضل من غير كفء جاز ولم تزوج منه ولو كانت المرأة تزوج نفسها لما كان إعياء ولا يثبت عضله الممنوع ليحصل عزله إلا إذا منع عند الحاكم وقد بينت ذلك السنة.
وهذه الآية من عجائب أمر الاحتباك {طلقتم} يفهم الأزواج من {تعضلوهن} و {تعضلوهن} يفهم الأولياء من {طلقتم}
وقد بينت ذلك في كتابي الإدراك {إذا تراضوا} أي النساء والأزواج الأكفاء بما أفهمته الإضافة دون أن يقال: أزواجاً لهن مثلاً.
ولما كان الرضى ينبغي أن يكون على العدل أشار إليه بقوله: {بينهم} ولما كانا قد يتراضيان على ما لا ينبغي قيده بقوله: {بالمعروف} فإن تراضوا على غيره كما لو كان الزوج غير كفء فاعضلوهن، وعرفه كما قال الحرالي لاجتماع معروفين منهما فكان مجموعهما المعروف التام وأما المنكر فوصف أحدهما - انتهى.
{ذلك يوعظ} أي يرقق {به} قلوب {من كان} والوعظ كما قال الحرالي إهزاز النفس بموعود الجزاء ووعيده - انتهى.
فهو تهديد لمن تشق عليه الأحكام وهم الأكثر.
ولما كان من أتباعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جاهد نفسه حتى صار أهلاً لفهم الدقائق وإدراك الإشارات والرقائق فألقى كليته للسماع لحظه بقوله: {منكم} معلماً أن الخطاب في الحقيقة لكل فاهم، وإنما قيد بهم لأنهم المنتفعون به {يؤمن بالله} أي لما له من العظمة {واليوم الآخر} خوفاً من الفضيحة فيه، وفي تسميته وعظاً إفهام بأن من تجاوز حداً في غيره سلط عليه من يتجاوز فيه حداً.
قال الحرالي: لأن من فعل شيئاً فعل به نحوه كأنه من عضل عن زوج عضل ولي آخر عنه حين يكون هو زوجاً، ومن زنى زنى به {سيجزيهم وصفهم} [الأنعام: 139] .