ولما كان الله سبحانه قد أمضى حكمته في هذه الدار في أنه لا يقبل قول إلا ببيان، قال سبحانه متهدداً على ما قد أعاذهن الله منه، فالمراد منه بيان أنه رفع مقاديرهن، ولذلك ذكر الأفعال المسندة إليهن اعتباراً بلفظ «مَنْ» والتنبيه على غلط من جعل صحبة الأشراف دافعة للعقاب على الإسراف، ومعلمة بأنها إنما تكون سبباً للإضعاف: {يا نساء النبي} أي المختارات له لما بينه وبين الله مما يظهر شرفه {من يأتِ} قراءة يعقوب على ما نقله البغوي بالمثناة الفوقانية على معنى من دون لفظها وهي قراءة شاذة نقلها الأهوازي في كتاب الشواذ عن ابن مسلم عنه: وقرأ الجماعة بالتحتانية على اللفظ وكذا «يقنت» {منكن بفاحشة} أي من قول أو فعل كالنشوز وسوء الخلق باختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله ورسوله أو غير ذلك {مبينة} أي واضحة ظاهرة في نفسها تكاد تنادي بذلك من سوء خلق ونشوز أو غير ذلك {يضاعف لها العذاب} أي بسبب ذلك، ولما هول الأمر بالمفاعلة في قراءة نافع المفهمة لأكثر من اثنين كما مضى في البقرة، سهله بقوله: {ضعفين} أي بالنسبة إلى ما لغيرها لأن مقدارها لا يعشره مقدار غيرها كما جعل حد الحر ضعفي ما للعبد، وكما جعل أجرهن مرتين.
واشتد العتاب فيما بين الأحباب، وعلى قدر علو المقام يكون الملام، وبقدر النعمة تكون النقمة، وكل من بناء (يضاعف) للمجهول من باب المفاعلة أو التفعيل لأبي جعفر والبصريين أو للفاعل بالنون عند ابن وكثير وابن عامر يدل على عظمته سبحانه، والبناء للمجهول يدل على العناية بالتهويل بالعذاب بجعله عمدة الكلام وصاحب الجملة بإسناد الفعل إليه، وذلك كله إشارة إلى أن الأمور الكبار صغيرة عنده سبحانه لأنه لا يضره شيء ولا ينفعه، ولا يوجب شيء من الأشياء له حدوث شيء لم يكن، ولذلك قال: {وكان ذلك} أي مع كونه عظيماً عندكم {على الله يسيراً} فهذا ناظر إلى مقام الجلال والكبرياء والعظمة.