استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم، لكثرته، وقوته. وقلتهم، وضعفهم. قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ أي: قال الذين يوقنون بالشهادة - وهم العالمون حقا - تشجيعا، وتثبيتا كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ أي: إن النصر من عند الله، ليس عن كثرة عدد، ولا عدد فكثيرة هي الحالات التي انتصرت بها فئة قليلة على فئة كثيرة بنصر الله. وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ: ينصرهم، ويعينهم، ويوفقهم.
شجعوهم، وطالبوهم بالصبر.
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي: لما واجه حزب الإيمان، وهم قليل من أصحاب طالوت، لعدوهم أصحاب جالوت، وهم عدد كثير.
قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي: أنزل، واصبب علينا صبرا على القتال من عندك. وَثَبِّتْ أَقْدامَنا أي: في لقاء العدو. جنبنا الفرار، والعجز، بتقوية قلوبنا، وإلقاء الرعب في صدور عدونا. وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي: أعنا عليهم، واهزمهم. دل ذلك على أن أدب المؤمنين في المعركة، الافتقار إلى الله، ودعاؤه بما يقتضيه الحال من التثبيت، والنصر.
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ: أي فهزم طالوت والمؤمنون معه،
جالوت وجنده بقضاء الله ونصره. فغلبوهم وقهروهم. وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ أي: آتى الله داود الملك في مشارق الأرض المقدسة، ومغاربها حتى إنه لم تجتمع بنو إسرائيل على ملك كما اجتمعت على داود. وآتاه مع الملك، الحكمة. أي: النبوة. وعلمه زيادة على ذلك ما شاء الله أن يخصه به من العلوم، من مثل صنعة الدروع، وغير ذلك. وفي ذكر ما أكرم الله به داود بعد ذكر قتله لجالوت، إشارة إلى أن البلاء في الجهاد يستحق به صاحبه الخير الكثير عند