"ما أسكر كثيره فقليله حرام"وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام"قال الخطابي: الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلاً . وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب . وعن ابن عباس أنه جاء رجل فسأله عن العصير فقال: اشربه ما كان طرياً . قال: إني أطبخه وفي نفسي منه شيء . قال: أكنت شاربه قبل أن تطبخه؟ قال: لا ، قال: إن النار لا تحل شيئاً وقد حرم . وقال أبو حنيفة: المطبوخ من عصير العنب إن ذهب أقل من ثلثيه فهو حرام لكن لا حد على شاربه إلا إذا سكر ، وإن ذهب ثلثاه فهو حلال إلا القدر المسكر فيحرم ويتعلق بشربه الحد . يروى أن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عماله"أما بعد فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكن واحداً". ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد فهو حرام ولكن لا حد فيه ما لم يسكر ، فإن طبخ فهو حلال إلا المقدار الذي يسكر فإن ذلك حرام ويحد به ، ولا يعتبر فِي النقيع ذهاب الثلثين . ونبيذ الحنطة والشعير والعسل وغيرها حلال نيئاً كان أو مطبوخاً ، ولا يحرم منه إلا القدر المسكر . وذكروا فِي حد السكران عبارات فعن الشافعي: أنه الذي اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم . وقيل: الذي لا يفرق بين السماء والأرض وقيل: الذي يتمايل فِي مشيه ويهذي فِي كلامه . والأقرب أن الرجوع فيه إلى العادة . ثم إن قوله تعالى {يسئلونك عن الخمر والميسر} ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا ، فيحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته ، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع وحرمته ، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه تعالى لما أجاب بذكر الحرمة بل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان واقعاً عن الحل والحرمة أي يسألونك عما فِي تعاطيهما . وأما كيفية دلالة الآية على الحرمة فهي أنها مشتملة على أن فِي الخمر إثماً والإثم حرام لقوله تعالى