ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ) أَيْ: يُوَضِّحُ الدَّلَائِلَ عَلَى أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ لِلنَّاسِ، فَلَا يَذْكُرُ لَهُمْ حُكْمًا إِلَّا وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حِكْمَتَهُ وَفَائِدَتَهُ بِمَا يُظْهِرُ لَهُمْ بِهِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ وَالسَّعَادَةَ فِيمَا شَرَعَهُ لَهُمْ (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) يَتَّعِظُونَ فَيَسْتَقِيمُونَ; فَإِنَّ الْحُكْمَ إِذَا لَمْ تُعْرَفْ فَائِدَتُهُ لِلْعَامِلِ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَمَلَّ الْعَمَلَ بِهِ فَيَتْرُكَهُ وَيَنْسَاهُ، وَإِذَا عَرَفَ عِلَّتَهُ وَدَلِيلَهُ وَانْطِبَاقَهُ عَلَى مَصْلَحَتِهِ وَمَصْلَحَةِ مَنْ يَعِيشُ مَعَهُمْ فَأَجْدَرُ بِهِ أَنْ يَحْفَظَهُ وَيُقِيمَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَيَسْتَقِيمَ عَلَيْهِ، لَا يُكْتَفَى بِالْعَمَلِ بِصُورَتِهِ وَإِنْ لَمْ تُؤَدِّ إِلَى الْمُرَادِ مِنْهُ. وَمِنْ هُنَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَإِنَّ مَا يُشَارِكُ
الْمَنْصُوصَ فِي الْعِلَّةِ يُعْطَى حُكْمَهُ، وَلَيْتَنَا عَمِلْنَا بِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَلَمْ نَرْجِعْ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالظَّوَاهِرِ مِنْ غَيْرِ عَقْلٍ، وَيَا لَيْتَهَا ظَوَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، إِنْ هِيَ إِلَّا ظَوَاهِرُ أَقْوَالِ أَقْوَامٍ مِنَ الْمُؤَلِّفِينَ، مِنْهُمُ الْمَعْرُوفُ تَارِيخُهُ وَمِنْهُمُ الْمَجْهُولُ أَمْرُهُ، وَإِلَى اللهِ الْمُشْتَكَى، فَاللهُمَّ ذَكِّرْنَا مَا نُسِّينَا، وَاهْدِنَا إِلَى الِاعْتِبَارِ بِكِتَابِكَ وَالْعَمَلِ بِهِ; لِنَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ. انتهى انتهى. {تفسير المنار حـ 2 صـ 255 - 284}