وَيُحْتَمَلُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ الْخَمْرَ أَحَدُهُمَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا ، فَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ {الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ} أَحَدَهُمَا ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُمَا جَمِيعًا. فَإِنَّ
ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ هُوَ أَوَّلُ شَرَابٍ يُصْنَعُ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: {مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ} بَعْضَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ؛ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ بَعْضِهَا خَمْرًا ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلُ خَارِجٍ مِنْهُمَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ ؛ لِأَنَّ"مِنْ"يَعْتَوِرُهَا مَعَانٍ فِي اللُّغَةِ ، مِنْهَا التَّبْعِيضُ ، وَمِنْهَا الِابْتِدَاءُ ، كَقَوْلِكَ:"خَرَجْتُ مِنْ الْكُوفَةِ"وَ"هَذَا كِتَابٌ مِنْ فُلَانٍ"وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ ، فَيَكُونُ مَعْنَى"مِنْ"فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى ابْتِدَاءِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا ، وَذَاكَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْعَصِيرَ الْمُشْتَدَّ.
وَالدِّبْسَ السَّائِلَ مِنْ النَّخْلِ إذَا اشْتَدَّ ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ شَيْئًا " إنَّهُ عَلَى رُطَبِهَا وَتَمْرِهَا وَدِبْسِهَا ؛ لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا"مِنْ"عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِابْتِدَاءِ."