قال الجمهور: كانت أمة هداية على ملة واحدة، ودين قويم واحد، وعقيدة واحدة وتشريع واحد وهو دين الإسلام، فاختلفوا فيما بينهم، فأرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين. روى أبو داود عن ابن عباس قال: «كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين» قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود: «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا» . واستدلوا أيضا على صحة قولهم: بأن آدم عليه السّلام كان نبيا، وكان أولاده على ملته هادين مهتدين إلى أن وقع التحاسد بين ولديه، وكان من قتل أحدهما للآخر ما هو معروف.
وذهبت طائفة أخرى (ابن عباس وعطاء والحسن البصري) : إلى أن الأمة أمة الضلال التي لا تهتدي بحق، ولا تقف في أعمالها عند حد شريعة، ودليلهم:
ما اقتضاه وضعهم من إرسال الرسل، لتظهر مهمتهم بنحو معقول، وليحكموا بينهم في الاختلافات الناشئة عن فساد العقيدة، واتباع الأهواء الضالة في الأعمال، وإلا لم يكن هناك معنى أو حاجة للرسل.
وقال أبو مسلم الأصفهاني والقاضي أبو بكر الباقلاني: المعنى: كان الناس على سنة الفطرة، تأخذ بما يرشد إليه العقل في الاعتقاد والعمل، ولكن استسلام الناس إلى عقولهم بلا هدي إلهي، مما يدعو إلى الاختلاف، فكثيرا ما حالت الأوهام دون الوصول إلى المراد من العقائد والأحكام.
واختار صاحب تفسير المنار معنى آخر: وهو أن الإنسان اجتماعي بالخلقة، أي أن الله خلق الإنسان أمة واحدة، أي مرتبطا بعضه ببعض في المعاش، لا يسهل على أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا إلى الأجل الذي قدره الله إلا مجتمعين، يعاون بعضهم بعضا، ولا يمكن أن يستغني بعضهم عن بعض، فلا بدّ من انضمام قوى الآخرين إلى قوته، وهذا ما يعبر عنه بقولهم: «الإنسان مدني بالطبع» . ويكون المعنى أن الناس خلقوا ولهم صفة الجماعية والتجمع، وذلك يؤدي إلى التنافس والتنازع والاختلاف، فكان إرسال الرسل لفض النزاع بين البشر، والإرشاد إلى الحق والخير، وبيان الباطل والضلال.