والشرع إنما جاء بإجراء الحق على مقتضاه على الشريف والوضيع، والغني والفقير، والقوي والضعيف؛ يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [سورة النساء: 135] .
قال الله تعالى مقرعاً لليهود حين أرادوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم بينهم بما كان عليه الجاهلية من التفاضل بين القتلى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [سورة المائدة: 50] .
قال السدي رحمه الله تعالى: الحكم حكمان: حكم الله، وحكم الجاهلية، ثم تلا الآية. رواه أبو الشيخ.
وقال قتادة رحمه الله تعالى: إن أهل الجاهلية كان يأكل شديدهم
ضعيفهم، وعزيزهم ذليلهم. رواه عبد بن حميد.
وفي"صحيح البخاري"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ مُتَّبعٌ فِي الإِسْلامِ سُنَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، وَطالِبٌ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُرِيقَ دَمَهُ".
وفسر البيضاوي حكم الجاهلية بالميل والمداهنة في الحكم.
وروى البيهقي في"الدلائل"عن أبي عذبة الحضرمي قال: جاء رجل إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فأخبره أن أهل العراق قد حَصَبوا إمامهم، وكان عَوَّضهم به مكان إمام كان قبله، فخرج غضبان، فصلى فسها في صلاته، فلما سلم قال: يا أهل الشام! استعدوا لأهل العراق؛ فإن الشيطان قد باض فيهم وفرَّخ.
ثم قال: اللهم قد ألبَسُوا علي فَأَلْبِسْ عليهم، وعجل عليهم بالغلام الثقفي الذي يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم.
قال ابن لهيعة: وما ولد الحجاج يومئذ.
قال البيهقي: لا يقول عمر ذلك إلا توقيفاً.