وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى مِنًى، فَكَانَ يُلَاحِظُ النِّسَاءَ وَيَنْظُرُ إلَيْهِنَّ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَهُ بِيَدِهِ مِنْ خَلْفِهِ وَقَالَ: {إنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ غُفِرَ لَهُ} وَمَعْلُومٌ حَظْرُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَكِنَّهُ خَصَّ الْيَوْمَ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَعَاصِي، وَالْفُسُوقُ، وَالْجِدَالُ، وَالرَّفَثُ كُلُّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ وَمُرَادٌ بِالْآيَةِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا حَظَرَهُ الْإِحْرَامُ، أَوْ كَانَ مَحْظُورًا فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ إيَّاهَا بِحَالِ الْإِحْرَامِ تَعْظِيمًا لِلْإِحْرَامِ، وَإِنْ كَانَتْ مَحْظُورَةً فِي غَيْرِهِ.
وَقَدْ رَوَى مَسْعُودٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ حَجّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ} وَهَذَا مُوَافِقٌ لِدَلَالَةِ الْآيَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا نَهَى عَنْ الْمَعَاصِي، وَالْفُسُوقِ فِي الْحَجِّ فَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْأَمْرَ بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى ذَلِكَ هُوَ مِنْ الْفُسُوقِ، وَالْمَعَاصِي، فَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُحْدِثَ الْحَاجُّ تَوْبَةً
مِنْ الْفُسُوقِ، وَالْمَعَاصِي حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.