وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ لُزُومُ فَرْضِ الصَّوْمِ هُوَ الْأَصْلُ وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ رُخْصَةِ الْإِفْطَارِ ، لَمْ يَجُزْ لَنَا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ تَرْكُ الْفَرْضِ إلَّا بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الثَّلَاثُ ؛ لِأَنَّ الْفُرُوضَ يُحْتَاطُ لَهَا ، وَلَا يُحْتَاطُ عَلَيْهَا ؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ فِي أَقَلَّ مِنْ الثَّلَاثِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ مِنْ السَّلَفِ فِي تَأْوِيلِهِ ، فَرَوَى الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:"أُحِيلَ الصِّيَامُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ} إلَى قَوْلِهِ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ مِسْكِينًا وَأَجْزَى عَنْهُ ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الْأُخْرَى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} إلَى قَوْلِهِ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فَأَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى صِيَامَهُ عَلَى الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ ، وَرَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ ، وَثَبَتَ الْإِطْعَامُ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ".