لما أراد الإنتظار قال تنظراني ، ولم يقل تنظران إليّ ؛ وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه ؛ قال:
نظرتُ إليها والنُّجُومُ كأنَّها ...
مَصابِيحُ رُهْبانٍ تُشَبُّ لِقُفَّالِ
وقال آخر:
نظرتُ إليها بالْمُحْصَّبِ مِنْ مِنًى ...
ولِي نَظَرٌ لولا التَّحَرُّجُ عارِمُ
وقال آخر:
إِنِّي إليكَ لِمَا وَعَدتَ لنَاظَرٌ ...
نَظَرُ الفقيرِ إلى الغنيِّ المُوسِرِ
أي إني أنظر إليك بذلّ ؛ لأن نظر الذلّ والخضوع أرقّ لقلب المسؤول ؛ فأما ما استدلوا به من قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار} [الأنعام: 103] فإنما ذلك في الدنيا.
وقد مضى القول فيه في موضعه مستوفًى.
وقال عطية العوفي: ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، ونظره يحيط بها ؛ يدل عليه: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار} [الأنعام: 103] قال القشيريّ أبو نصر: وقيل:"إلًى"واحد الآلاء: أي نعمه منتظرة وهذا أيضاً باطل ؛ لأن واحد الآلاء يكتب بالألف لا بالياء ، ثم الآلاء: نعمه الدُّفَّع ، وهم في الجنة لا ينتظرون دفع نقمة عنهم ، والمنتظر للشيء مُتَنغِّص العيش ، فلا يوصف أهل الجنة بذلك.
وقيل: أضاف النظر إلى الوجه ؛ وهو كقوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} [البقرة: 25] والماء يجري في النهر لا النهر.
ثم قد يذكر الوجه بمعنى العين ؛ قال الله تعالى: {فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً} [يوسف: 93] أي على عينيه.
ثم لا يبعد قلب العادة غداً ، حتى يخلق الرؤية والنظر في الوجه ؛ وهو كقوله تعالى: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ} [الملك: 22] ،"فقيل: يا رسول الله! كيف يمشون في النار على وجوههم؟ قال:"الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم" {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} أي وجوه الكفار يوم القيامة كالحة كاسفة عابسة."