والثالث: جائز أن يكون أمرهم بتقديم الصدقة؛ امتحانًا منه إياهم؛ ليظهر حقيقة أمرهم، وهو ما جعل الأمر بالجهاد سببًا لظهور نفاقهم وارتيابهم في الأمر؛ فكذلك الأول، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون الأمر بالصدقة لأهل المناجاة على الذين كانت لهم حوائج عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيمنعونه عن قضاء حاجاتهم بالاشتغال بالمناجاة، أمرهم بالصلة لأُولَئِكَ؛ تطييبًا لقلوبهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) .
أي: أن تقديم الصدقة أطهر لقلوبكم من ترك الصدقة.
وقوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
جائز أن يكون هذا الأمر لأهل الغناء دون الفقر، حتى قال: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا) ما تصدقون به، (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ...(13) .
قال عامة أهل التأويل: أي: أبخلتم يا أهل الميسرة أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات؟
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) .
أي: تجاوز عنكم إذ لم تفعلوا.
(فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) .
أي: إذا لم تصدقوا تلك الصدقة فآتوا زكاة أموالكم.
قال أهل التأويل: نسخ ما أمروا به من الصدقة عند المناجاة بما ذكر: من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) .
هذا وعيد، ثم في قوله: (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ) دلالة قبول خبر الواحد؛ لأنه يناجيه ولا يعلم به غيره؛ دل أنه يقبل إذا أخبر به غيره.
وفيه أن لا كل مناجاة تكون من الشيطان؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ناجى من ذكر؛ فدل أن قوله: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ) مصروف إلى ما سبق ذكره.