وفيه ألا يفهم من ذكر اليد الجارحة لا محالة؛ فإنه قال: (بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ) ، وليس للنجوى يد ولا بين، وكذلك قوله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) ، ولم يشكل على أحد أنه لم يرد باليد الجارحة هاهنا؛ فكيف فهم فيما أضيف إلى اللَّه - تعالى - في قوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ، وقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"الصدقة تقع في يد الرحمن": الجارحة، لولا فساد اعتقادهم في اللَّه - تعالى - وتشبيههم إياه بالخلق.
وقال قتادة: أكثروا النجوى مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فمنعهم اللَّه تعالى عنه، فقال: (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً...) الآية.
وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: أنا أول من عمل بها، تصدقت بكذا، ثم نزلت الرخصة.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ ...(14)
يذكر سفه المنافقين لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لتوليهم قومًا غضب عليهم، على ما علم منهم أن الله - تعالى - قد غضب عليهم؛ لكنهم تولوهم طمعا منهم في أموالهم وفيما كان عندهم من السعة وفضل الدنيا، ثم أخبر أنهم ليسوا منكم، أي: ليسوا على دينكم، ولا أنتم منهم، أي: على دينهم، أي: أُولَئِكَ اليهود؛ لكنهم يتولونهم طمعًا فيما عندهم من فضل الدنيا.
(وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) .
كأنه قيل لهم: لم توليتم قومًا غضب اللَّه عليهم؟! فحلفوا أنهم لم يتولوهم؛ فأخبر أنهم كاذبون في حلفهم.