قال الشنقيطي:"وقد دلت هذه الآية من سورة الحجرات على أمرين: الأول منهما أن الفاسق إن جاء بنبأ ممكن معرفة حقيقته، وهل ما قاله فيه الفاسق حق أو كذب فإنه يجب التثبت. والثاني هو ما استدل عليه بها أهل الأصول من قبول خبر العدل؛ لأن قوله تعالى:"إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا" [الحجرات: 6] يدل بدليل خطابه أعني مفهوم مخالفته أن الجائي بنبأ إن كان غير فاسق بل عدلاً لا يلزم التبين في نبئه على قراءة فتبينوا، ولا على التثبت على قراءة فتثبتوا. وهو كذلك" [72] .
وهذا الذي قرره الشنقيطي قد فصَّل فيه القولَ فخر الدين الرازي في محصوله فقال:"أمر بالتثبت مرتباً على كونه فاسقاً، والحكم المرتب على الوصف المشتق المناسب يقتضي كونه معللاً بما منه الاشتقاق، ولا شك في أن الفسق يناسب عدم القبول، فثبت بما ذكرنا أن خبر الواحد لا وجب لا يقبل لامتنع تعليل أن لا يقبل خبر الفاسق بكونه فاسقاً، وثبت أنه معلل به، فخبر الواحد لا يجب أن يقبل: فهو إذن مقبول في الجملة، ومن الناس من يتمسك بالآية على وجه وهو أنه تعالى أمر بالتثبت بشرط أن يكون الخبر صادراً عن الفاسق، والمشروط بالشيء عدم عند عدم الشرط، فوجب أن لا يجب التثبت إذا لم يوجد مجيء الفاسق، فإذا جاء غير الفاسق ولم يتثبت فإما أن يجزم بالرد، وهو باطل، وإلا كان خبر العدل أسوء حالاً من خبر الفاسق، وهو باطل بالإجماع، فيجب القبول، وهو المطلوب" [73] .
وفي هذا العصر كثيراً ما تنقل أخبار وفتاوى عن العلماء خلاف ما يصح عنهم، وما ذلك إلا بسبب سوء الفهم أو عدم التثبت والتبين، وهذا بلا شك يوقعهم في إثم مركب، فهو ما بين الكذب على العلماء والطعن فيهم بغير وجه حق، فما أحوج الناس اليوم إلى مقتضى هذه الآية الكريمة والوقوف على ضوابطها الشرعية، فيشاع بين طلبة العلم والعامة أن من عرف عنه الصدق والدين وجودة الحفظ والفهم وحسن التعبير والأداء فإننا ننقل خبره دون تثبت، ومن اختلفت فيه صفة من هذه الصفات أو شابهها - مثل كلام الأقران بعضهم في بعض - فإنه يحتاج إلى التثبت من خبره، وخاصة إن كان الخبر تترتب عليه أمور مهمة.