ولأستاذنا الدكتور طه ياسين الخطيب بحث ماتع في سبب نزول هذه الآية خلص فيه إلى القول:"نقول جازمين: إن الوليد بن عقبة رضي الله تعالى عنه برئ مما نسب إليه، وأن هذه الآية التي أنزلها الله تعالى وجعلها قاعدة للتثبت والتبين توجب علينا أن نتثبت وأن نتبين فيما نقول. وبناء على ذلك فأنا أوصي طلاب العلم أن لا يكتفوا بالنقل عن المراجع دون تمحيص؛ وذلك لأن مؤلفيها لم يشترطوا الصحة فيما يذكرون، كما أن على طالب العلم أن يكون ذا معرفة باصطلاحات العلماء حتى لا يخطئ في فهم كلامهم" [68] .
وهذا التقرير الذي خلصنا إليه ليس فيه أي دعوى للقول بعصمة الصحابة قطعاً، فنحن نقطع ببشريتهم وكونهم يصيبون ويخطئون لكن هذا ليس مبرراً لسلب عدالتهم، ومذهب أهل السنة والجماعة في الصحابة سلامة قلوبهم وألسنتهم لهم، كما وصفهم الله بذلك في قوله تعالى:"وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" [69] ، وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم لا نصيفه" [70] ، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم [71] .
هذه الآية أعيد فيها الخطاب والنداء لتخصيص ما بعده بالاهتمام، وهي قاعدة وأصل عظيم في تلقي الأخبار والرواية والعمل بها.