هذا التغاير عند المفسرين في بيان معنى المتشابه في حقيقته يدل على معنى واحد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وسببه أن التشابه أمر إضافي، فقد يشتبه على هذا ما لا يشتبه على هذا [22] ، ولذلك يمكن جعل هذه المعاني كلها في إطار واحد فيقال: إن المتشابه هو ما استأثر الله بعلمه أو ما احتمل أوجهاً؛ ليتناسب مع الوقف في الآية المعنية على خلاف فيه يسع المعنيين اللذين جعلناهما في حده آنفاً، وأنى كان المعنى فالواجب تجاه المتشابه أن يفسر في إطار المحكم كما أشارت إلى ذلك الآية نفسها في قوله تعالى:"وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" [23] ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" [24] ، قال ابن القيم:"فلهم طريقان في رد السنن، أحدهما: ردها بالمتشابه من القرآن أو من السنن. والثاني: جعلهم المحكم متشابهاً ليعطلوا دلالته" [25] .
وأما الصنف الثالث: فهم المهتدون وهم الذين قدموا قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، قال ابن القيم في وصفهم:"وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق فعكس هذه الطريق وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه له فتتفق دلالته مع دلالة المحكم وتوافق بعضها بعضاً فإنها كلها من عند الله وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره" [26] .
وقبل ذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"والمقصود هنا أن الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقل، ويعرف برهانه ودليله إما العقلي، وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالة القرآن على هذا وهذا. وتجعل أقوال الناس التي قد توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحاب هذه الألفاظ: يحتمل كذا وكذا، ويحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول صلى الله عليه وسلم قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد" [27] .