وقد تقدم أن إبليس أول من حلف بالله كاذباً، فهو أول من جهل بالله تعالى، وبصفات جلاله وجماله؛ فافهم!
51 -ومنها: الفحش، والبَذَاء، والوقاحة، وقلة الحياء، بل عدمه بالكلية، وهذا مما لا شك فإن الشيطان أول من ألقى جلباب الحياء من الله ومن الناس.
أما عدم حيائه من الله تعالى، فإنه قابل أمره بالإباء والاستكبار، ولما سئل عن علة امتناعه عن السجود المأمور به أجاب ربَّ العزة بما لا ينبغي أن يخاطب به، فقال: {اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [سورة الإسراء: 61 - 62] ، وغير ذلك.
وروى الطبراني في"الكبير"عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْعَيَّ مِنَ الإِيْمَانِ، وَهُمَا يُقَرِّبَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، ويُبَاعِدَانِ مِنَ النَّارِ، وَالْفَحْشُ وَالْبَذَاءُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَهُمَا"
يُقَرِّبَانِ مِنَ النَّارِ، وَيُبَاعِدَانِ مِنَ الْجَنَّةِ"."
وقال الجنيد رحمه الله تعالى: لقيت إبليس يمشي في السوق عرياناً، وبيده كسرة خبز يأكلها، فقلت له: أما تستحي من الناس؟ فقال: يا أبا القاسم! وهل بقي على وجه الأرض أحد يستحيى منه.
* تنبِيْهٌ:
مصداق ما تقدم في الحديث أن الحياء والعي يقربان من الجنة ويباعدان من النار، وأن الفحش والبذاء بعكسهما: أن إبليس لمَّا عصى غلب عليه الفحش والوقاحة حتى صارا خلقه، فتجرأ في الحضرة الإلهية، وتكلم بشقاشق كلامه، فانقلب ما قصد به الخلاص وبالًا عليه، فأدخله الله النار، وأن آدم عليه السلام لما عصى غلب عليه الحياء والعي حتى هرب، ولم ينطق بكلمة سوى أنه اعتذر بالحياء لما سئل عن سبب هربه، فألقى الله تعالى إليه الكلمات الإلهية، وعلمه كيف يقول في توبته، ووعده أن يعيده إلى الجنة هو ومن اتبع هداه من ذريته، وكان ذلك بسبب العي والحياء.