وقال ابن عباس في قوله تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [سورة البقرة: 36: إنه خطاب لآدم وحواء، وإبليس، والحية. رواه ابن جرير عنه.
وعلى هذا: فالآية نص في عداوة إبليس لنا، وهي صديقة إبليس، فاستدل لذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بقتل الحيات، وقال:"مَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ثأرِهِنَّ فَلَيْسَ مِنَّا".
زاد في رواية:"مَا سَالَمْنَاهُنَ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ". رواه عبد الرزاق، وغيره من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وقد علمت بذلك أن مسالمة الحية ومصادقتها من أعمال الشياطين، وأشبه الناس بالشيطان من يمسك الحيات ويحميهن من القتل، ويتلطف بهن حتى يضعهن في جيبه مما يلي لحمه، ويزعم أن ذلك كرامة لشيخه.
وهَبْ أن ذلك كرامة لبعض الصوفية أن يمسك بعض فقرائهم الحية ليقتلها لا ليتلطف بها ليكون ذلك من باب قوله - صلى الله عليه وسلم:"لِيَشْجَعْ أَحَدُكُمْ وَلَوْ عَلَى قَتْلِ حَيَّةٍ"،
كما ذكره القرطبي.
فزعم بعض الجهلة من هؤلاء أن الكرامة في إمساكها ومسالمتها وهي مستسلمة لا تؤذيه، وربما زعم أن الحال يأخذه فيأكلها، ويقطعها باسنانه، وهذا كله حرام لأنها مسمومة، ولحمها نجس, وأكل السم والنجاسة حرام، وكذلك التضمخ بالنجاسة؛ فإن لسعته الحية فمات مات عاصياً، وعلى شيخه مثل إثمه في ذلك كله إن رضي بحاله، ولم ينهه عن ذلك.
وقتل الحيات في الحل والحرم - ولو كان القاتل محرمًا - مشروع مثاب عليه، إلا ما كان من عوامر البيوت فإنهن يؤذنَّ ثلاثة أيام خشية أن يكن من الجن المسلمين، فإن بدا منهن شيء بعد ذلك فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"فَاقْتُلُوْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان"كما رواه مسلم، وغيره من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وروى الطبراني، والحاكم وصححه عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الْجِنُّ ثَلاثَةُ أَصْنَافٍ: فَصِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَة يَطِيْرُوْنَ بِهَا فِيْ الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ حَيَّات وَكِلابٌ، وَصِنْفٌ يَحُلُّوْنَ وَيَظْعَنُوْنَ".