وقد نقل الإمام الوالد في"تفسيره": أن المراد بقوله تعالى: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [سورة الكهف: 50: تشتبه أفعاله بأفعالهم؛ لأنه إن كان منهم حقيقة فإنه
كان من الملائكة على قول ابن عباس وأكثر المفسرين كما نقله البغوي، وحكاه القرطبي - أيضاً - عن ابن مسعود، وابن جريح، وابن المسيب، وقتادة، وغيرهم؛ قال: وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري، ورجحه الطبري.
قلت: وروى ابن جرير، وابن عساكر عن ابن مسعود، وناس من الصحابة - رضي الله عنهم: أن إبليس كان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خُزَّان الجنة.
وعليه: فالجن الذي كان إبليس منهم غير الجن الذين هم أحد الثقلين، وبينهم فرق في الاشتقاق أيضاً؛ فالجن أحد الثقلين سموا جناً لتسترهم عن الناس، والجن الحي من الملائكة سموا جناً لأنهم خُزَّان الجنَّة.
وهذا الذي ذكرناه هنا قول ثالث في قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [سورة الكهف: 50] .
وروى عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة رحمه الله تعالى في الآية؛ قال: كان من قبيل من الملائكة يقال لهم: الجن.
قال: وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: ولو لم يكن
من الملائكة لم يؤمر بالسجود.
قلت: وهذا دليل واضح.
وروى أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: لما لعن إبليس تغيرت صورته، فجزع لذلك، فَرَنَّ؛ فكل رنة في الدُّنيا إلى يوم القيامة فهي منها.
وهنا فصلان ينبغي التنبه عليهما.
الفَصْلُ الأَوَّلُ
علم مما اختاره الشيخ الوالد في تفسير قوله تعالى: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [سورة الكهف: 50: أن الجن غير الشَّياطين، وهو ما عليه المحققون أن الجن خلقٌ على حِدَتِهم، خُلِقَ أبوهم - وهو الجان - من مارج من نار السَّموم كما قال تعالى: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [سورة الرحمن: 15] .
وقال تعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [سورة الحجر: 27] .
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الجان أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر.