تاجروا بها ربَّهم، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) .
فأعراض الدنيا عارية في أيدي الناس مستردة، كما قيل:
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يومًا أن ترد الودائع
وهي من وجه منيحة: منحت الإنسان لينتفع بها مدة، ويذرها لينتفع بها من بعده.
ومن وجه وديعة في يده: رخص له في استعمالها والانتفاع بها بعد أن لا يسرف فيها.
لكن الإنسان لجهله ونسيانه لما عهد إليه بقوله: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا(115)
اغتز بها فظن أنها قد جعلت له هبة مؤبدة، فركن إليها
واعتمد عليها، ولم يؤدِ أمانة اللَّه تعالى فيها، ثم لما طُولب بردها تمنع منه وضجر، ولم ينزع عنها إلا بنزع روحه أو كسر يده وبعضهم - وهم الأقلون - حفظوا ما عهد إليهم فتناولوها تناول العارية والمنيحة والوديعة، فأدوا فيها الأمانة، وعلموا أنها مسترجعة، فلما استردت منهم لم يعضوا ولم يجزعوا، وردوها شاكرين لما نالوه منها، ومشكورين لأداء الأمانة فيها.
وقد ذكر بعض الحكماء في ذلك مثلًا فقال: إن مثل الناس فيما أعطوه من أعراض الدنيا مثل رجل دعا قومًا إلى داره، فأخذ طبقًا من ذهب، وجعل عليه بخورًا
ورياحين، فكان كلما دخل واحد منهم تلقاه به، ودفعه إليه، لا ليملكه، بل ليشمه ويستمتع به ويدفعه إلى من يجيء بعده، فمن كان جاهلًا برسومهم ظن أنه قد وهب له، فيضجر إذا استرجع منه، ومن كان عارفًا برسومهم أخذه بشكر، ورده بانشراح صدر، وطيب نفس.
تفاوت أحوال المتناولين لأعراض الدنيا
طلب الدنيا وتناولها على ثلاثة أضرب: