واعلم أن الناض الذي هو العين والورق حجر جعله اللًه سبحانه سببا للتعامل به -
كما تقدم ذكره آنفًا - وهو خادم غيره، فقبيح بالحر المترشح لنيل الفضائل والاقتداء بالبارئ جلت عظمته - وهو يأمل الوصول إلى الغنى الأكبر - أن يتهافت على المال ويتناول أكثر مما يحتاج إليه، ويجعل نفسه أقل رقيق له وأخسه كما قيل: فرق ذوي الأطماع رق مخلد، ويكون معتكفَا فيه على حجر يعبده كما قال تعالى: (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) .
والذي أرى أن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لما سأل اللَّه تعالى
فقال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)
لم يرد إلَّا أن يحسره وذريته عن محبة الأعراض الدنيوية الصارفة عن اللَّه، فمثله وولده يتنزه عن أن يشفق من
اعتقاده في حجر أنه هو صانعه وأنه يستحق عبادته.
وقد قال في موضع آخر إشارة إلى ما يعم في هذا المعنى وغيره: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا(42)
وقد قال بعض الحكماء: مثل الإنسان وشغفه بهذا الحجر، بل سائر
الأعراض الدنيوية كمثل قوم كانوا في سفينة يقصدون أفضل بلد وأطيبه، فانتهت بهم السفينة إلى جزيرة أرادوا الخروج إليها والتفسح فيها للطهارة، والجزيرة ذات أسود وأساود، فأمروا بالخروج وأن يكونوا على حذر، فلما خرجوا إليها رأوا فيها حجارة مزخرفة وأزهارًا مستحسنة مختلفة، فأعجبهم ذلك وشغفوا به وأمعنوا في الجزيرة وتباعدوا عن المركب ونسوا أنفسهم ومقصدهم وبقوا لاهين بما رأوا من ذلك، حتى سارت السفينة فثارت عليهم الأسود والأساود تفترسهم وتنهشهم فلن يغن عنهم ما خدعهم وألهاهم من تلك الأحجار والأزهار، فصاروا كما قال تعالى حكاية عمن هذه
حاله: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ(28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) .
ذكر المال والأدب في اقتنائه والوجوه التي منها يحصل