مخدوم، وسائر القنيات خادم من وجه ومخدوم من وجه؛ لأن النفس يخدمها البدن والبدن يخدمه المأكل والملبس وهما يخدمهما المال، فالمال من حقه أن يكون خادما لغيره من القنيات، وأن لا يكون شيء من القنيات خادمًا له، وإن كان كثير من الناس لجهلهم يجعلون جاههم وأبدانهم ونفوسهم خدمًا للمال وعبيدا، وهم الذين ذمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس"
وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش"."
ولعظم موقع المال عند من لم يتجاوز المحسوسات، قال تعالى حكاية عن بعض أنبيائه فيما خاطب به أمته: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) .
ولعظم منافعه في الأمور الدنيوية قال تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا)
ونبه على حقارة قدره بالإضافة إلى أحوال الآخرة فقال: (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(9)
وخوف من أعجب باقتنائه وذمه فقال: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ(55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)
وقال تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13)
فحق الإنسان أن يعلم أن المقتنيات الدنيوية آلات موضوعة في خان على طريق سفره يصلح للانتفاع بها ما دام نازلًا في ذلك الخان، فيتناول منه مقدار البلغة ويتسلى عن الباقي عند الرحلة، ويستهجن لنفسه أن يكذب ويغضب ويحزن ويرتكب القبائح بسببها.