[الكهف: 82] إنما عن أمر الله، إذن: حين تنزل المصيبة وليس لك فيها دَخْل فابحث عن الحكمة منها، ولا بدَّ أنك ستجدها وتهتدي إليها.
والخطاب في {وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ..} [الشورى: 30] خطاب للعموم يشمل المؤمنين والكفار، الكافر لأنه دخل المعركة فهُزم فإنْ أخذ ماله أو قتل فبكفره، أما المؤمن فقد يكون ارتكب مخالفات ومعاصي تستوجب أنْ يعاقب كما في حدّ الزنا، وحدّ شرب الخمر مثلاً، أو أن يُعزَّز.
والحق سبحانه وتعالى أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يُنبِّه أمته، وأنْ يُعلِّمها كيف تستقبل المصائب، فقال صلى الله عليه وسلم:"ما يصيب المؤمن من نصيب ولا وصب حتى الشوكة يُشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه".
لذلك يقول أحد العارفين: إنِّي لأعرف مقامي عند ربي من خُلُق دابتي، يعني: حين تحرَن منه دابته أو تتعثَّر يسأل نفسه: ماذا فعلتُ حتى تحرنَ الدابة؟ وسيدتنا أسماء بنت سيدنا أبي بكر كان يلازمها شيء من الصداع، فكانت تمسك برأسها وتقول: بذنبي ويعفو الله عن كثير.
ولتوضيح هذه المسألة قلنا: إن الحق سبحانه خلق الإنسان وحدَّد مهمته في الحياة، ووضع له منهجاً يحميه ويُنظم حركته فيها، فإنْ خالف هذا المنهج لا بدَّ أنْ يحدث له عطب، مثل الآلة يصنعها الإنسان، ويضع لها (كتالوجاً) يوضح كيفية استخدامها، فإنْ خالفت هذه التعليمات تعطلتْ الآلة.
فالحق سبحانه يريد منَّا أنْ نعِيَ هذه القضية، ليطمئن المؤمن حين تصيبه مصيبة أو تنزل به نازلة، فيصبر ولا يجزع ولا يتسخط، بل يبحث عن الحكمة أو ينظر في نفسه: ماذا فعلتُ لتنزل بي هذه المصيبة، فهي ولا بدَّ تغسل عني شيئاً اقترفتُه وذنباً ارتكبته.
هذا حال المؤمن الناصح أنْ يعود لنفسه وأنْ يحاسبها؛ لأنه يعلم مما علَّمه الله أن الدنيا دارُ عمل لا دار جزاء، الجزاء في الآخرة
{الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ..} [غافر: 17] إذن: ما يقع لي في الدنيا من ابتلاءات ومصائب ليس جزاءً؛ إنما لفْتُ نظر للعمل الصالح، ولأتعلم من مادية الأشياء أنَّ المخالفة لا بدَّ أنْ يكون لها عقاب.
ثم نحن نشاهد المصائب تحلُّ بالصديق وبالزنديق وتعمُّ الجميع حتى الأنبياء، لذلك ورد في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أشدُّ الناس بلاءً: الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل".