{أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ} استئنافٌ واردٌ لتوبيخهِم عَلى ترددهم في شأنِ القرآنِ وعنادِهم المُحوجِ إلى إراءةِ الآياتِ وعدمِ اكتفائِهم بإخبارِه تعالَى، والهمزةُ للإنكارِ، والواوُ للعطفِ عَلى مقدرَ يقتضيِه المقامُ أيْ ألَمْ يغنِ ولم يكفِ ربُّكَ والباءُ مزيدةٌ لتأكيدِ ولاَ تكادُ تزاد إلا معَ كَفَى. وقولُه تعالى: {أَنَّهُ على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ} بدلٌ منهُ أيْ أَلَم يُغنِهم عن إراءةِ الآياتِ الموعودةِ المبينةِ لحقيةِ القُرانِ ولم يكفهم في ذلكَ أنه تعالَى شهيدٌ على جميعِ الأشياءِ، وقد أخبرَ بأنَّه منْ عندِه وقيلَ: معناهُ أنَّ هَذا الموعودَ من إظهارِ آياتِ الله في الآفاقِ وفي أنفسِهم سيرونَهُ ويشاهدونَهُ فيتبينونَ عند ذلكَ أنَّ القرآنَ تنزيلُ عالمِ الغيبِ الذي هُو عَلى كلِّ شيءٍ شهيدَّ أي مطّلعٌ يستوِي عندَهُ غيبُه وشهادتُه فيكفيهم ذلك دليلاً على أنه حقٌّ وأنَّه منْ عندِه ولو لم يكُن كذلكَ لما قُوِيَ هذه القوةَ ولما نُصرَ حاملُوه هذهِ النُصرةَ فتأملُ.
وأما ما قيلَ: من أنَّ المَعنى أَوَلَم يكفكَ أنِه تعالَى على كُلِّ شيءٍ شهيدٌ محققٌ له فيحققَ أمرَكَ بإظهارِ الآياتِ الموعودةِ كما حققَ سائرَ الأشياءِ الموعودةِ فمع إشعارِه بما لا يليقُ بجلالةِ منصبِه عليه السلامُ من الترددِ فيما ذكر من تحقيق الموعودِ يرده قولُه تعالى: {أَلاَ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ} أي في شكَ عظيمٍ منْ ذلكَ بالبعثِ والجزاءِ فإنه صريحٌ في أن عدمَ الكفايةِ معتبرٌ بالنسبةِ إليهم وقُرِئَ مُريةٍ بالضمِّ وهُو لُغةٌ فيها {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ} عالمٌ بجميع الأشياءِ جُمَلِها وتفاصيلِها وظواهرِها وبواطنِها فلا تَخْفى عليها خافيةٌ منهم وهو مجازيهُمْ على كُفرِهم ومريتِهم لا محالةَ. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 8 صـ}