ثم حين تتأمل القسمة العقلية لمسألة الخَلْق هذه، تجد أن قدرة الله تعالى قد استوعبتْها بصورها الأربعة، فالإنجاب الطبيعي يأتي من ذكر وأنثى، لكن قدرة الله جاءتْ بآدم بلا زوج ولا زوجة، وجاءتْ بحواء من أب بلا أم، وجاءت بعيسى من أم بلا أب، وقد يتوفر الأب والأم ولا يحدث الإنجاب، هذه كلها صور تؤكد طلاقة القدرة الإلهية في مسألة الخَلْق.
وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي} [فصلت: 47] هو سبحانه الذي يقول (شُرَكَآئِي) أي: في زعمكم، لأنه قال في موضع آخر
{الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 22] فأجابوا - والكلام هنا يحكي موقفاً من مواقف القيامة {قَالُواْ آذَنَّاكَ} [فصلت: 47] يعني: أخبرناك وأعلمناك، والأذن هي وسيلة السمع، وإليها يصل الكلام، ويحصل العلم فكأن الأذن هي أول وسائل العلم.
لذلك قال تعالى عن الأرض:
{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق: 2] يعني: استمتعتْ للأوامر، {قَالُواْ آذَنَّاكَ} [فصلت: 47] أخبرناك {مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} [فصلت: 47] لا أحد منا يشهد أن لك شركاء، فالحق سبحانه قال {شُرَكَآئِي} ولم ينفِ الشركاءَ لينفُوهم هم.
فبعد فوات الأوان يُقرُّونَ بأن الله تعالى ليس له شريكٌ، وكأن كلمة الشريك هذه لم تَرِدْ يوماً على لسان واحد منهم.
{وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ}
معنى {وَضَلَّ عَنْهُم} غاب وانصرف عنهم فهو غير موجود معهم {مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ} [فصلت: 48] من أوليائهم الذين أشركوهم مع الله {وَظَنُّواْ} هنا بمعنى أيقنوا وتأكدوا {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} [فصلت: 48] ما لهم من مفرٍّ ولا مهرب يُنجيهم من العذاب، فهو ينظر هنا وهناك، فلا يجد مَلْجئاً ولا مَنْجى، فالمصيبة طَامّة لا نجاةَ منها؛ لذلك حتى نحن في العامية نقول: (فلان حايس) يعني: حائر لا يجد مكاناً يهرب إليه.
{لاَّ يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ}
قوله تعالى: {لاَّ يَسْأَمُ} لا يملّ {الإِنْسَانُ} المراد الكافر {مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ} من طلب الخير لنفسه، الخير في ماله في أولاده، في صحته وعافيته، ترى الرجل يقول: يا رب شقة أسكن فيها، فإنْ أعطاه الله الشقة قال: يا رب (فيلا) صغيرة فإنْ أعطاه الله قال: يا رب عمارة تصرف على (الفيلا) .