يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَضَلَّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آلِهَتُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا فِي الدُّنْيَا، فَأُخِذَ بِهَا طَرِيقٌ غَيْرُ طَرِيقِهِمْ، فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ، وَلَمْ تَدْفَعْ عَنْهُمْ شَيْئًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: {وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصِ}
يَقُولُ: وَأَيْقَنُوا حِينَئِذٍ مَا لَهُمْ مِنْ مَلْجَأٍ: أَيْ لَيْسَ لَهُمْ مَلْجَأٌ يَلْجَأُونَ إِلَيْهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ أُبْطِلَ عَمَلُ الظَّنِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَظَنُّوا} اسْتَيْقَنُوا قَالَ: وَ {مَا} هَاهُنَا حَرْفٌ وَلَيْسَ بِاسْمٍ، وَالْفِعْلُ لَا يَعْمَلُ فِي مِثْلِ هَذَا، فَلِذَلِكَ جُعِلَ الْفِعْلُ مُلْغًى
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ يُلْغَى الْفِعْلُ وَهُوَ عَامِلٌ فِي الْمَعْنَى إِلَّا لِعِلَّةٍ قَالَ: وَالْعِلَّةُ أَنَّهُ حِكَايَةٌ، فَإِذَا وَقَعَ عَلَى مَا لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ كَانَ حِكَايَةً وَتَمَنِّيًا، وَإِذَا عَمِلَ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا يَمَلُّ الْكَافِرُ بِاللَّهِ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ، يَعْنِي مِنْ دُعَائِهِ بِالْخَيْرِ، وَمَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ رَبَّهُ وَالْخَيْرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمَالُ وَصِحَّةُ الْجِسْمِ، يَقُولُ: لَا يَمَلُّ مِنْ طَلَبِ ذَلِكَ {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ}
يَقُولُ: وَإِنْ نَالَهُ ضُرٌّ فِي نَفْسِهِ مِنْ سَقَمٍ أَوْ جَهْدٍ فِي مَعِيشَتِهِ، أَوِ احْتِبَاسٍ مِنْ رِزْقِهِ {فَيَئُوسٌ قُنُوطٌ} يَقُولُ: فَإِنَّهُ ذُو يَأْسٍ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وَفَرَجِهِ، قُنُوطٌ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَمِنْ أَنْ يَكْشِفَ ذَلِكَ الشَّرَّ النَّازِلَ بِهِ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ} قَالَ: لَا يَمَلُّ.
وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءٍ بِالْخَيْرِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) }